مثل هذا النهج القائم على: النزعة التاريخية،، مهما كانت وجاهته، يعاني من المشكلة التالية: كيف يمكننا أن نعرف أن الغياب الظاهرى للتناقضات في النظام الاجتماعي الذي يبدو ظافرا (وهو هنا الديموقراطية الليبرالية) ليس وهما سيتيشد حين يكشف مضي الوقت عن تناقضات جديدة تتطلب طور آخر من أطوار التطور التاريخي الإنساني؟ ذلك أنه بدون مفهوم أساسي عن الطبيعة البشرية يرتب أسبقية الخصائص البشرية الجوهرية وغير الجوهرية، سيغدو من المستحيل أن نعرف ما إذا كان السلام الاجتماعي الظاهر يمثل إشباع حقيقا لرغبات البشر، أم هو ناجم عن كفاءة أجهزة الأمن، أم هو الهدوء الذي يسبق العاصفة. وعلينا أن نتذكر أن أوروبا كانت عثية الثورة الفرنسية تبدو في أعين الكثيرين من المراقبين وكأنما هي تتمتع بنظام اجتماعي ناجح يرضى الناس عنه، شأن إيران في السبعينيات من هذا القرن، أو دول أوروبا الشرقية في الثمانينيات. وثمة مثل آخر: فبعض أنصار حرية المرأة المعاصرين يؤكدون أن معظم تاريخ العصور السالفة هو تاريخ الصراعات بين المجتمعات و الأبوية، في حين أن المجتمعات و الأموية، تتمتع بقدر أكبر من الاتفاق بين الناس، وتميل إلى السلام دون الحرب، وتشكل بديلا أصلح من المجتمعات الأبوية. غير أن هذا الزعم لا يمكن إثباته في ضوء واقع تجريبي، بالنظر إلى أنه ليس ثمة أمثلة لمجتمعات أموية باقية (1) ، ومع ذلك فإنه من الجائز أن تقوم مثل هذه المجتمعات في المستقبل إن صح مفهوم أنصار حرية المرأة عن احتمالات تحررها. فإن كان ذلك كذلك، فالواضح أننا لم نصل بعد إلى نهاية التاريخ.
أما الاتجاه البديل لتحديد ما إذا كنا قد وصلنا إلى نهاية التاريخ فيمكن تسميته النهج، الذي يتجاوز التاريخ،، أو النهج الذي يتخذ مفهوم الطبيعة أساسا له. ومعنى ذلك أن نحكم على كفاءة الديموقراطيات الليبرالية الراهنة من منطلق مفهوم عن الإنسان يتجاوز التاريخ، فلا نبحث عن أبلة عملية على وجود سخط شعبي في مجتمعات كبريطانيا أو أمريكا مثلا، بل تستند إلى فهم للطبيعة البشرية وخصائص الإنسان الدائمة (حتى إن لم تكن ظاهرة) بحكم أنه إنسان، ثم نحكم
على كفاءة الديموقراطية الراهنة على هذا الأساس. وسيحررنا هذا النهج من ربقة الحاضر، أي من المعايير والتوقعات التي يحددها نفس المجتمع الذي تقيمه (7) .
أما عن القول بأن الطبيعة البشرية ليست ثابتة ومكتملة إلى الأبد، وإنما تخلق نفسها في طيات الزمن التاريخي، فلا يعفينا من الحاجة إلى الحديث عن الطبيعة البشرية سواء باعتبارها إطارا تتم فيه عملية خلق الإنسان لنفسه، أو باعتبارها نقطة النهاية أو الغاية التي يبدو أن التطور التاريخي الإنساني يتجه صوبها (8) . وعلى سبيل المثال: لو أنه كان من المحال. كما يذهب كانط. تطوير العقل البشري بصورة كاملة إلا كنتيجة لمسار اجتماعي طويل متراکم، فلن يعني ذلك أن العقل أقل، طبيعية و من مميزات الإنسان الأخرى (4) .
وسيبدو في النهاية أنه من المستحيل الحديث عن: التاريخ، بل الحديث عن و تاريخ عالمي،، دون الإشارة إلى معيار دائم يجاوز التاريخ، أعني الرجوع إلى الطبيعة. ذلك أن التاريخ ليس معطى أو ليس مجرد قائمة بكل أحداث الماضي، وإنما هو محاولة جادة للتجريد وتمييز