الصفحة 258 من 376

الأحداث المهمة عن غير المهمة. وتتغير المعايير التي يستند إليها هذا التجريد , فخلال الجيلين السالفين مثلا تلمس تحولا من كتابة التاريخ الديبلوماسي والعسكري إلى كتابة التاريخ الاجتماعي و تاريخ المرأة والأقليات، أو تاريخ الحياة اليومية. ولا يعني هذا التغير الذي طرأ على اهتمامات المؤرخ ودفعه إلى التحول عن الأغنياء وأصحاب السلطة إلى طبقات أدني في السلم الاجتماعي، آتنا تخلينا عن معايير الانتقاء التاريخي، وإنما يعني مجرد تغير المعايير لتناسب إدراكا جديدا قائما على مبدأ المساواة. غير أنه لا المؤرخ الدبلوماسي ولا المؤرخ الاجتماعي بوسعه تجنب الاختيار بين المهم وغير المهم، ومن ثم تجنب اتخاذ معيار خارج التاريخ (وخارج مجال اختصاص المؤرخين المحترفين) ، وينطبق هذا بالأخص على التاريخ العالمي الذي يتمتع بدرجة أعلى من التجريد. فعلى المؤرخ العالمي إذن أن يكون على استعداد لأن يغفل شعوبة وحقبة بأسرها باعتبارها سابقة للتاريخ أو لا تاريخية، وذلك حين يجدها غير ذات صلة بالمحور المركزي لتاريخه.

يبدو حتميا إذن أن نتحول عن مناقشة التاريخ إلى مناقشة الطبيعة حتى نصل إلى إجابة عن السؤال الخاص بنهاية التاريخ، ولن يكون بوسعنا مناقشة المستقبل البعيد للديموقراطية الليبرالية (ومدى جانبيتها للشعوب التي لم تذرها بعد، وقدرتها على البقاء في الأمم التي اعتادت الحياة في ظلها) مادمنا قد اقتصرنا على التركيز على الأدلة العملية التي يوفرها لنا عالمنا المعاصر. وإنما علينا أن نحدد صراحة وبصورة مباشرة طبيعة المعايير المجاوزة للتاريخ التي تقيم على هديها سلامة أو فساد أي نظام حكم وأي نظام اجتماعي، ويذهب كوجيف إلى أننا قد وصلنا إلى نهاية التاريخ لأن الحياة في ظل دولة عالمية متناسقة هي حياة مرضية تماما لمواطنيها. وبعبارة أخرى، فإن العالم الديموقراطي الليبرالي الحديث خال من التناقضات، ولا نريد لأنفسنا ونحن بمعرض تقييم هذا الزعم أن ننشغل باعتراضات تسيء فهم مذهب كوجيف، كالإشارة إلى هذه الطائفة الأجتماعية أو تلك، أو إلى هذا الفرد أو ذاك من الساخطين بسبب عدم تكافؤ فرص الاستمتاع بخيرات المجتمع نتيجة للفقر أو العنصرية أو ما شابه ذلك , فالسؤال الأعمق يتصل بالمباديء الأساسية، أي بما إذا كانت خيرات مجتمعنا خيرا حقيقيا يرضي الإنسان بوصفه إنسانا، أو أن ثمة صورة أرني من حيث المبدأ للإشباع يمكن أن يوفرها نوع آخر من الأنظمة السياسية أو التنظيمات الاجتماعية، وللإجابة عن هذا السؤال، ولفهم ما إذا كان عصرنا يمثل بالفعل وشيخوخة الجنس البشري،، علينا أن نعود إلى إنسان الطبيعة كما كان قبل بداية مسار التاريخ، وهو الإنسان الأول ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت