الصفحة 176 من 376

بها الدول التي لا تملك هذه القدرة. أما الدمار الأخرق الذي تسببت فيه الحرب المنتهية حديثة فلن يعني بالضرورة أن يتعلم الانسان أنه ما من تكنولوجيا حربية يمكن استخدامها لأغراض رشيدة. فقد تكون ثمة تكنولوجيات جديدة يقنع الناس أنفسهم بأنها ستوفر لهم مزايا حاسمة. وسيكون على الدول الصالحة التي استقت من الكارثة دروسا في الاعتدال وسعت إلى التحكم في التكنولوجيات التي تسببت فيها، أن تعيش في عالم تشترك فيه معها دول شريرة وجدت في الكارثة فرصة لتحقيق مطامحها، وقد علمنا ميكيافيلي في مستهل الحقبة الحديثة من التاريخ أن على الدول الصالحة أن تقتدي بالدول الشريرة إن هي أرادت البقاء على قيد الحياة والحفاظ على كيانها الدولي (ة) . فهي في حاجة إلى الحفاظ على مستوى معين من التكنولوجيا ولو من أجل الدفاع عن نفسها، بل وسيكون عليها أن تشجع الابتكار التكنولوجي في المجال العسكري متى كان أعداؤها قادرين هم أيضا على الابتكار. وحتى لو سعت الدول الصالحة بخطوات مترددة ومحدودة إلى التحكم في خلق تكنولوجيات جديدة، فستكون مضطرة. ولو في بطء. إلى إخراج الجني التكنولوجي العملاق من القمقم مرة أخرى (16) . بل إن اعتماد الإنسان في المرحلة التالية للكارثة على العلوم الطبيعية الحديثة سيكون أكبر لو أنه شاء استخدامها في الحفاظ على البيئة، وذلك نظرا إلى أن التكنولوجيا قد تكون هي السبيل الوحيد إلى جعل الأرض صالحة للسكني من جديد.

ومن غير الممكن أن نتصور تاريخ دورا حقيقيا، إلا لو افترضنا إمكان أن تختفي حضارة معينة بصورة كاملة دون أن تخلف أي أثر في الحضارة التي تليها. وقد حدث هذا بالفعل قبل اختراع العلوم الطبيعية الحديثة التي هي - مع هذا. تمتلك من القوة على الخير والشر مقا ما يجعل من المشكوك فيه أن ينساها الإنسان أو أن يقبرها فلا تخترع إلا في حالة الفناء المادي للجنس البشرى، فإن كانت قبضة العلوم الطبيعية الحديثة التقدمية لا مفر منها ولا يمكن عكس اتجاهها، فكذلك لن يكون هناك مفر بصفة أساسية من أن يصبح التاريخ الغائي بكل ما يحمله من عواقب اقتصادية واجتماعية وسياسية نابعة منه، أمرا لا يمكن عكس اتجاهه بأي معنى من المعاني

الأساسية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت