تهيمن على حياتنا، وأن نعود بالإنسانية إلى أبد الآبدين إلى المستوى الحضاري الذي كانت عليه قبل عصر العلم (4)
لننظر في احتمال نشوب حرب عالمية تستخدم فيها أسلحة الدمار الشامل. لقد دأينا منذ هيروشيما على النظر إليها كحرب نووية، غير أنها قد تأتي الان نتيجة لاختراع سلاح بيولوجي أو كيميائي جديد ورهيب. فإن افترضنا أن مثل هذه الحرب لن تفرض شتاء نوويا أو دمارا طبيعيا آخر يجعل الأرض غير صالحة البتة السكني البشر، فعلينا أن نفترض أن الصراع سيذهب ضحيته جانب ضخم من سكان الدول المتحارية ومن فونها ومن ثروتها، وربما يحدث ذلك أيضا بالنسبة إلى الدول الرئيسية المتحالفة مع المتصارعين، مع حدوث عواقب وخيمة في الدول المحايدة المتفرجة هي أيضا، وقد تحدث عواقب بيئية كبرى تؤدي إلى الربط بين الكارثة الحربية و الكارثة البيئية. كذلك فإنه من المحتمل أن تنجم تغيرات ضخمة في أوضاع السياسة العالمية، فقد يفقد الخصمان المتحاربان وضعيهما كدولتين عظميين، وتتجزأ أراضيهما فتحتلها دول أفلحت في البقاء خارج الصراع، وقد تتسمم البيئة فيهما فلا يريد أحد السكنى فيهما. وقد تشمل الحرب كافة الدول المتقدمة تكنولوجيا والقادرة على إنتاج أسلحة الدمار الشامل، فتهدم مصانعها ومعاملها ومكتباتها وجامعاتها، وتستأصل كل المعارف الخاصة بطرق صنع الأسلحة القادرة على التسبب في مثل هذا الدمار الهائل. أما سائر بلدان العالم التي تجنبت عواقب الحرب المباشرة، فقد تبزغ فيها كراهية عارمة للحرب وللحضارة التكنولوجية تمكن عددا من تلك البلدان من أن تختار طواعية التخلي عن الأسلحة المتقدمة وعن العلم الذي أنتجها، وقد تقرر مثل هذه الدول أكثر من أي وقت مضى أن تهجر سياسية الردع التي وضح فشلها في حماية البشرية من الدمار، وأن تنتهج سياسة أكثر حكمة واعتدالا فتسعى إلى التحكم في التكنولوجيات الجديدة بصورة أكمل مما هي عليه في عالمنا المعاصر، (كذلك فإن أية كارثة بيئية مثل ذوبان الثلوج القطبية أو تصحر آمريكا الشمالية وأوروبا نتيجة لارتفاع درجة حرارة الجو في العالم، قد تسفر عن بذل مجهود مماثل من أجل التحكم في الاختراعات العلمية التي أدت إلى وقوع الكارثة) . وقد ينجم عن الأموال التي تسبب فيها العلم ازدهار جديد للديانات المعادية للحداثة والتكنولوجيا، فتقيم حواجز أخلاقية و عاطفية تحول دون خلق تكنولوجيات جديدة قد تتسبب في دمار جديد.
ولكن يبدو أنه حتى مثل تلك الظروف الشاذة لن تكون قادرة على تحرير الحضارة البشرية من قبضة التكنولوجيا ومن قدرة العلم على العودة من جديد. وترجع أسباب ذلك أيضا إلى العلاقة بين العلم والحرب. ذلك أنه حتى لو كان بالإمكان تدمير الأسلحة الحديثة والمعلومات الخاصة بكيفية إنتاجها، فلن يكون بوسع أحد أن يستأصل من الذاكرة تلك المنهاجية التي جعلت إنتاجها ممكنة. فتوحيد الحضارة الإنسانية عن طريق الاتصالات ووسائل النقل الحديثة يعني أنه ما من طرف من أطراف البشرية غير مدرك للمنهاجية العلمية وإمكاناتها، حتى لو كان هذا الطرف حاليا غير قادر على أبتداع التكنولوجيا أو تطبيقها بنجاح، وبتعبير أخر، فإنه ليس ثمة برابرة حقيقيون علي الأبواب، پراپرة جاهلون بقوة العلوم الطبيعية الحد ب ا. وما دام الأمر كذلك فإن القدرة على استخدام العلوم الطبيعية الحديثة في أغراض حربية ستظل تعطى لمثل تلك الدول مزايا لا تتمتع