الصفحة 172 من 376

المعيشة الراهنة. في المدى القصير على الأقل. فإنه ليس من الواضح كيف يمكن للحياة في ظل انتقاء تحكمى لمستوى من التكنولوجيا، أن تكون مرضية بشكل خاص. إنها حياة خالية من بريق الاقتصاد الدينامي المتنامي، كما أنها لا تمثل عودة حقيقية إلى الطبيعة , لقد نجحت الجهود الساعية إلى تجميد التكنولوجيا مع بعض الجماعات الدينية الصغيرة، مثل طوائف الأميش والميئونايت المسيحية. غير أن الأمر أكثر صعوبة بكثير بالنسبة لمجتمع كبير متعدد الطبقات. والواقع أن مظاهر عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية القائمة في يومنا هذا في المجتمعات المتقدمة يتضاءل تأثيرها الضار في المضمار السياسي، بازدياد حجم الثروة الاقتصادية التي سيتقاسمها أفراد المجتمع، بينما يضحى هذا التأثير الضار أخطر شأنا لو غدت أحوال الولايات المتحدة العلاقة مثلا في مثل ركود أحوال ألمانيا الشرقية، كذلك فإن تجميد التكنولوجيا عند المستوى العالي الذي بلغته في الدول المتقدمة لا نحسبه حلا مرضيا للأزمة البيئية التي تتهددنا، ولا نحسبه يجيب عن السؤال عما إذا كان النظام البيئي الكوني يمكنه أن يحتمل تقدما مماثلا في دول العالم الثالث. ويثير الابتكار الانتقائي أسئلة صعبة خاصة بالسلطة التي تملك أن تقرر أي مظاهر التكنولوجيا جديرة بالاختيار. ولاشك في أن تسييس الابتكار سيكون له أثره في شل التنمية الاقتصادية في مجموعها.

أضف إلى ذلك، أن حماية البيئة لا تتطلب قطع الصلة بالتكنولوجيا الحديثة وبالعالم الاقتصادي الذي تخلقه، بل إن هذه الحماية تتطلب في المدى البعيد الحفاظ على هذا العالم الاقتصادي كشرط التوفرها. والواقع أنه فيما عدا جناح الفوندي Fundi من حركة الخضر في ألمانيا و غيره من الاتجاهات المتطرفة، نجد أن التيار الرئيسي للحركة الداعية إلى حماية البيئة يدرك أن أكثر الحلول المشكلات البيئية واقعية هي التي ترى خلق تكنولوجيات بديلة، أو تكنولوجيات توفر حماية فعالة للبيئة. فالبيئة الصحية هي من الكماليات التي لا تتوافر إلا للأغنياء ذوى الدينامية الاقتصادية. أما أكثر الناس اعتداء على البيئة، سواء في طريقة تخلصهم من النفايات السامة أو إزالتهم للغابات الاستوائية المطيرة، فهم شعوب الدول النامية التي تشعر بأن فقرها النسبي لا يسمح لها باي خيار أخر غير استغلال ثرواتها الطبيعية، أو التي لا يتيح لها نظامها الاجتماعي القدرة على تنفيذ قوانين البيئة. ونلاحظ هنا أنه بالرغم من التأثير المخرب للأمطار الحمضية، فإن المناطق الشمالية الشرقية في الولايات المتحدة و أجزاء كثيرة أخرى من شمال أوروبا أكثر امتلاء بالغابات مما كانت عليه منذ قرن أو حتى قرنين من الزمان.

ومن ثم، فلكل هذه الأسباب يبدو من غير المحتمل أن تختار حضارتنا عمدة مذهب روسو فترفض دور العلوم الطبيعية الحديثة في الحياة الاقتصادية المعاصرة، ولكن، لننظر أيضا في الاحتمال الأكثر تطرفة، وهو أن تؤدي كارثة رهيبة إلى فرض هذا الخيار علينا كرها لا طوعا، وأعني بالكارثة إما حرب نووية شاملة أو انهيارة بيئيا يحدث رغم كل جهودنا، فيدمر الأساس الطبيعي للحياة البشرية المعاصرة. فالواضح أن احتمال تدمير ثمار العلوم الطبيعية الحديثة احتمال قائم خاصة وأن التكنولوجيا الحديثة قد مدتنا بإمكانيات تحقيق هذا الدمار خلال دقائق معدودات. ولكن، هل بالإمكان هدم العلوم الطبيعية الحديثة ذاتها، لتحريرنا من قبضة المنهاجية العلمية التي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت