يسع إلى استخدام عقله في الهيمنة على الطبيعة، ولا كانت ثمة حاجة إلى ذلك حيث إن الطبيعة كانت خيرة في جوهرها، ولا كان العقل بالأمر الطبيعي بالنسبة له وهو الفرد الذي يعيش متوحدأ (2) .
وقد أثار هجوم روسو على الإنسان المتحضر أول وأهم علامة استفهام وتشكك في مشروع تذليل الطبيعة بأسره، وفي النظرة إلى الأشجار والجبال باعتبارها مواد خام لا أماكن للراحة والتأمل. ويظل نقده للإنسان الاقتصادي الذي تخيله جون لوك وآدم سميث، هو أساس معظم الانتقادات التي توجه اليوم إلى التنمية الاقتصادية غير المحدودة، والأساس الفكري (عن غير وعي في الغالب الأعم) لآراء المهتمين في زمننا بالحفاظ على البيئة (3) ، ويزداد سحر انتقاد روسو للتحديث الاقتصادي مع استمرار التصنيع والتنمية الاقتصادية، ومع تضاح أثرهما الضار في البيئة الطبيعية، فهل بوسعنا أن نتخيل ظهور حركة للحفاظ على البيئة، شديدة الثورية، ترفض
على أساس من أفكار روسو بعد تحديثها، مشروع تسخير الطبيعة الحديث، جملة وتفصيلا، وكذا , الحضارة التكنولوجية القائمة عليه؟ الظاهر أن الإجابة هي بالنفي لجملة من الأسباب.
يتعلق السبب الأول بالتطلعات التي أثارها النمو الاقتصادي الراهن. فقد يكون بوسع أفراد أو مجتمعات صغيرة أن «تعود إلى الطبيعة،، فيهجر الأفراد وظائفهم في بنوك الاستثمار أو مكاتب التنمية العقارية للحياة على ضفة بحيرة من البحيرات. غير أن رفض المجتمع بأسره للتكنولوجيا سيعني وقفا كاملا للتصنيع في أوروبا وأمريكا واليابان، وتحول هذه الدول إلى مستوى دول العالم الثالث الفقيرة. قد يقل تلوث الهواء والمخلفات السامة، غير أن الطب الحديث ووسائل الاتصال الحديثة ستقل هي أيضأ، وكذا سيقل الحد من النسل وبالتالى الحرية الجنسية. فالرفض لن يحرر الإنسان من دورة الاحتياجات الجديدة، بقدر ما سيؤدي إلى عودة معظم الناس إلى حياة الفلاحين الفقراء المرتبطين بالأرض، ودخولهم في حلقة مفرغة من العمل الذي يقصم الظهور. صحيح أن دولا كثيرة عاشت لعدة أجيال على زراعة الكفاف، وكانت شعوبها تتمتع دون شك بقدر كبير من السعادة. غير أنه من المشكوك فيه أن يتمكنوا من ذلك الان بعد أن خبروا الحياة الاستهلاكية في المجتمع التكنولوجي، ومن المشكوك فيه جدا أن يقبلوا عن طيب خاطر الانتقال من هذا الوضع إلى ذاك. كذلك فإنه إن كان ثمة دول أخرى قد اختارت ألا تهجر الصناعة، فإن مواطني الدول التي اختارت هجر الصناعة سيكون أمامهم دائما معيار للمقارنة يقيسون أنفسهم به. وقد قررت بورما عقب الحرب العالمية الثانية أن ترفض هدف التنمية الاقتصادية الذي تبنته دول كثيرة أخرى في العالم الثالث، وأن تبقى في عزلة عن العالم. غير أن هذا وإن كان ممكنا في عالم ما قبل التصنيع فقد ثبت أن التشبث به بالغ الصعوبة في منطقة مليئة بمجتمعات مزدهرة مثل سنغافورة وتايلاند.
وأقل من هذا شططا في الخيال البديل الداعي إلى الانتقاء من التكنولوجيا عن طريق نوع من التجميد للنمو التكنولوجي بمعدله الحالي، أو السماح بالابتكار التكنولوجي ولكن على أساس من الانتقاء الصارم لبعض مظاهره فحسب. فإن كان هذا البديل أصلح بالنسبة للحفاظ على مستويات