كل جوانب المشروع الحديث الخاص بالسيطرة على الطبيعة عن طريق العلم، وأوحت بأن بوسع الإنسان أن يكون أسعد حالا لو أنه كف عن التلاعب بالطبيعة، بل وعاد إلى الطبيعة في وضع أشبه ما يكون بوضعها الأصلي قبل العصر الصناعي.
وتعتبر فلسفة جان جاك روسو، المصدر المشترك لمعظم هذه النظريات المعادية للتكنولوجيا. فهو أول فيلسوف حديث يشكك في فضل و التقدم و التاريخي. لقد فهم روسو قبل هيجل جوهر تاريخية التجربة البشرية، وكيف أن الطبيعة البشرية نفسها قد تغيرت بمرور الوقت، غير أنه. بخلاف هيجل - أمن بأن التحول التاريخي قد أسهم في إنعاس الناس تعاسة عميقة. فإن أخذنا مثلا قدرة الاقتصاد الحديث على إشباع الاحتياجات البشرية، نجد روسو في، المبحث الثاني، يشير إلى أن الاحتياجات البشرية الحقيقية هي في الواقع محدودة العدد جدا، فالإنسان في حاجة إلى مأوى يأويه وطعام يغنيه، بل إنه حتى الإحساس بالأمن ليس بالضرورة مطلبا أساسيا بالنظر إلى آنه يفترض سلفا أن الناس الذين يعيشون بالقرب من غيرهم سيتطلع كل منهم بصورة طبيعية إلى تهديد الأخرين (1) . أما كافة الاحتياجات البشرية الأخرى فليست جوهرية لتحقيق السعادة، وإنما تنشأ عن مقدرة الإنسان على مقارنة نفسه يجيرانه، فيشعر بأنه محروم إن لم يكن لديه ما لديهم. وبعبارة أخرى فإن الأحتياجات التي يخلقها المجتمع الاستهلاكي الحديث تنشأ عن غرور الإنسان، أو ما يسميه روسو بعشق الذات، والمشكلة هي أن هذه الاحتياجات الجديدة التي يخلقها الإنسان نفسه في الزمن التاريخي، مرنة مرونة لا تحد، وليس بالوسع إشباعها إشباع حقيقيا. والاقتصادات الحديثة، مع كل كفاءتها الهائلة وقدرتها على الابتداع، تخلق حاجة جديدة كلما أشبعت إحدى الحاجات. وليست تعاسة الإنسان ناجمة عن فشله في إشباع مجموعة محددة من الرغبات، وإنما عن الفجوة القائمة دومأ بين احتياجاته الجديدة وبين إشباعها.
ويورد روسو مثلا لهذه الظاهرة في جامع التحف الذي تتعسة الفجوات في مجموعته أكثر مما تسعده التحف التي يقتنيها. وبوسعنا أن نجد مثلا أخر أكثر حداثة في ميدان صناعة الاليكترونيات الاستهلاكية الحديثة ذات الكفاءة الإبداعية الخارقة. فخلال العشرينيات والثلاثينيات من هذا القرن، كان أقصى ما تحلم به عائلة من السلع الاستهلاكية هو اقتناء مذياع. أما اليوم فإننا لا نكاد نجد شابا في العقد الثاني من عمره في الولايات المتحدة لا يمتلك عدة أجهزة منه، وهو مع ذلك شديد الامتعاض إذ لا يمتلك جهازأ من طراز Nintendo أو جهاز تسجيل على الأسطوانات الصغيرة (كومباكت ديسك) ، كذلك فمن الواضح أن أمتلاكه لمثل هذه الأجهزة لن يجعله أكثر قناعة بما عنده، فما إن يحين وقت امتلاكه لها حتى يكون اليابانيون قد اخترعوا جهازة اليكترونيا جديدا يتطلع إلى اقتنائه.
ويذهب روسو إلى أن سبيل الإنسان إلى السعادة هو التخلي عن التكنولوجيا الحديثة والخروج من تلك الحلقة المفرغة من الاحتياجات التي تخلقها، واستعادة بعض ما كان يتمتع به الإنسان الطبيعي من اكتفاء ذاتي، فالإنسان الطبيعي لم يكن يعيش في مجتمع، ولا كان يقارن نفسه بالآخرين، ولا كان يعيش في عالم زائف من المخاوف والآمال والتطلعات التي هي من خلق المجتمع، وكانت سعادته قائمة على إحساسه بوجوده، وبأنه إنسان طبيعي في عالم طبيعي. ولم