الصفحة 180 من 376

وكأنما هي دليل على أن التخطيط المركزي في ظل طغيان دولة بوليسية، وسيلة أكثر فعالية لتحقيق التصنيع السريع من الحرية التي يتمتع بها مواطنو الدول ذات الأسواق الحرة، وقد كتب اسحاق دويتشر في الخمسينيات يقول إن اقتصاد التخطيط المركزي أكثر فعالية من فوضى آلية اقتصاد السوق، وأن الصناعات المؤممة أقدر على تحديث المصانع والآلات من القطاع الخاص (1) . وقد كان لوجود دول في أوروبا الشرقية حتى عام 1989، اشتراكية ومتقدمة اقتصاديا في آن واحد، أثره في اعتقاد البعض أن التخطيط المركزي لا يتنافى مع الحداثة الاقتصادية.

هذه الأمثلة من العالم الشيوعي أوحت في وقت ما بأن الازدهار المستمر للعلوم الطبيعية الحديثة قد يوصلنا إلى الكابوس الذي صوره ماكس فيبر للطغيان العقلاني البيروقراطي، لا إلى مجتمع ليبرالي خلاق منفتح، فالواجب إذن توسيع نطاق حجتنا. وبالإضافة إلى بيان السبب في أن بالدول المتقدمة اقتصاديا مجتمعات حضرية وبيروقراطيات عقلانية، علينا أن نوضح سبب توقعنا لتطور الدول في النهاية في اتجاه الليبرالية الاقتصادية والسياسية. وسنبحث في هذا الفصل، والفصل الذي يليه علاقة هذه الآلية بالرأسمالية في حالتين متميزتين: حالة الدول الصناعية المتقدمة، رحالة الدول المتخلفة. وبعد أن نثبت أن الآلية بطريقة ما تجعل من الرأسمالية أمرا محتمأ، سنعود إلى التساؤل حول ما إذا كان ينتظر منها أيضا أن تسفر عن إرساء دعائم الديموقراطية.

بالرغم من سوء سمعة الرأسمالية سواء لدى اليمين الديني التقليدي، أو اليسار الاشتراكي الماركسي، فإن تفسير انتصارها في نهاية المطاف باعتبارها النظام الاقتصادي الوحيد الصالح للبقاء، في ضوء المذهب الآلى، أيسر من تفسير انتصار الديموقراطية الليبرالية في المجال السياسي. ذلك أن الرأسمالية قد ثبت أنها أكثر فعالية من النظام الاقتصادي ذي التخطيط المركزي، سواء في مجال تطوير التكنولوجيا واستخدامها، أو في مسايرة الظروف سريعة التغير الخاصة بالتقسيم الدولى للعمل، في ظل أحوال الاقتصاد الصناعي الناضج.

ونحن نعلم الآن أن التصنيع لا يأتي طفرة فتنتقل الدول به فجأة إلى الحداثة الاقتصادية، وإنما هو عملية دائية التطور ولا نهاية واضحة لها، بحيث تغدو حداثة اليوم قديمة في الغد. وقد تغيرت على نحو مطرد وسيلة إشباع ما أسماه هيجل نسق الاحتياجات، كما تغيرت هذه الاحتياجات نفسها. وقد كان من رأي أصحاب النظريات الاجتماعية الأول مثل مارکس وإنجلز أن التصنيع يتكون من الصناعات الخفيفة مثل صناعة النسيج البريطانية أو صناعة الخزف الفرنسية. غير أن هذا الوضع سرعان ما تغير بحدوث تطورات مثل من خطوط السكك الحديدية، وإقامة صناعة الحديد والصلب والصناعات الكيميائية وبناء السفن وغير ذلك من أشكال الصناعة الثقيلة، ونمو أسواق قوية موحدة، وهو ماشكل مفهوم الحداثة الصناعية عند لينين وستالين وأتباعهما من السوفييت، وقد وصلت بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة وألمانيا إلى هذا المستوى من التنمية قبيل الحرب العالمية الأولى، ووصلت إليه اليابان وسائر أقطار أوروبا الغربية قبيل الحرب العالمية الثانية، ثم الاتحاد السوفييتي ودول أوروبا الشرقية في الخمسينيات. ويعتبر كل هذا اليوم من علامات تنمية صناعية متوسطة، بينما هي في نظر معظم الدول المتقدمة مرحلة قد تجاوزتها منذ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت