زمن بعيد إلى ما نطلق عليه أسماء مختلفة مثل: (مجتمع صناعي ناضج،، أو 1 مرحلة الاستهلاك الجماهيري المرتفع،، أو العصر التكنيتروني،، أو ا عصر المعلومات،، أو، مجتمع ما بعد الصناعة،(2) ومع اختلاف الصياغات، فكلها تؤكد الزيادة الضخمة التي طرأت على دور المعلومات، والمعرفة التقنية والخدمات، على حساب التصنيع الثقيل.
إن العلوم الطبيعية الحديثة. في أشكالها المألوفة من الابتكار التكنولوجي والتنظيم الرشيد للعمل. لا تزال تملى على مجتمعات ما بعد الصناعة طابعها كما كان شأنها مع المجتمعات في المراحل الأولى من التصنيع، وقد كتب دانييل بيل عام 1967 يقول أن متوسط طول المدة بين اكتشاف مبتكر تكنولوجي جديد وبين إدراك إمكاناته التجارية كان ثلاثين عاما في الفترة ما بين عامي 1880 و 1919، ثم انخفض إلى 16 عاما في الفترة ما بين 1919 و 1945، ثم إلى تسعة أعوام في الفترة ما بين 1945 و 1997 (3) . وقد انخفض هذا الرقم الآن إذ أضحت الدورات الإنتاجية في أكثر التكنولوجيات تقدما (مثل الكومبيوتر وبرامجه الجاهزة) تقاس بالأشهر لا بالأعوام. ولا توحي هذه الأرقام بأدنى فكرة عن التنوع المذهل في السلع والخدمات التي ظهرت منذ عام
1945 (وأكثرها لأول مرة) ، ولا بأدنى فكرة عن تعقد مثل هذه الاقتصادات والأشكال الجديدة للمعرفة التقنية، لا في العلم و الهندسة فحسب، وإنما أيضا في التسويق والمالية والتوزيع وما شابه ذلك، مما تتطلبه إدارة هذه الاقتصادات.
وفي نفس الوقت، أصبح التقسيم العالمي للعمل (وهو الذي تنبأ المتنبئون به في زمن ماركس وإن أدركوه إدراكا ناقصأ لدرجة كبيرة) حقيقة واقعة. وزادت التجارة الدولية بمعدل سنوي مركب يبلغ 13 في المائة خلال الجيل الماضي، وبمعدلات أعلى للنمو في قطاعات معينة مثل العمليات الدولية للبنوك. أما في الأجيال السابقة لذلك فلم تكن الزيادة تتعدى 3 في المائة (4) . ولا شك أن الانخفاض المستمر في نفقات المواصلات والاتصالات قد نجمت عنه وفورات الحجم الكبير بدرجة أكبر كثيرا مما كان متاحا حتى في أضخم الأسواق الوطنية، مثل الأسواق الأمريكية واليابانية وأسواق دول أوروبا الغربية، وكانت النتيجة إحدى تلك الثورات المتدرجة وغير المخطط لها: وهي توحيد شطر كبير جدا من البشرية (خارج العالم الشيوعي) في سوق واحدة للسيارات الألمانية وأشباه الموصلات الماليزية، واللحوم الأرجنتينية، وأجهزة الفاكس اليابانية، والقمح الكندي والطائرات الأمريكية.
وأدت الاختراعات التكنولوجية وتقسيم العمل المعقد للغاية إلى زيادة هائلة في الطلب على المعارف التكنولوجية على كافة المستويات في المجال الاقتصادي، و الطلب بالتالي على أولئك الذين و يفضلون التفكير على العمل، كالعلماء و المهندسين، وكافة المؤسسات التي تخرجهم كالمدارس الخاصة والجامعات وصناعة الاتصالات. وينعكس المضمون والإعلامي، الأرقي للإنتاج الاقتصادي الحديث في نمو قطاع الخدمات، بمن يعمل فيه من مهنيين ومديرين وموظفين ومشتغلين بالتجارة والتسويق والشؤون المالية، وكذا مستخدمو الحكومة وإخصائيو الخدمات الصحية، وكل ذلك على حساب الأعمال و التقليدية في المجال الصناعي.