الصفحة 184 من 376

والتطور في اتجاه لامركزية اتخاذ القرار والأسواق يغدو ضرورة حتمية لكافة الاقتصادات الصناعية التي تطمح إلى دخول عصر ما بعد الصناعة، إذ بينما يمكن الاقتصادات التخطيط المركزي أن تنهج نهج نظيراتها الرأسمالية، فتدخل عصر الفحم والصلب والصناعة الثقيلة (ه) ، فإنها أقل قدرة على التصدي لاحتياجات عصر المعلومات. وبوسع المرء أن يقول إن الماركسية اللينينية إنما لاقت هزيمتها الكبرى في عالم اقتصاد ما بعد الصناعة الديناميكي شديد التعقيد.

وينجم فشل التخطيط المركزي في نهاية المطاف عن مشكلة الابتكار التكنولوجي. فالبحث العلمي ينطلق على أحسن ما يكون في جو الحرية الذي يسمح فيه للناس بالتفكير والاتصال كما يهوون، ويسمح أيضا - وهو الأهم - بأن يكافأوا على إيداعهم. لقد حض الاتحاد السوفيتي والصين رعاياهما على البحث العلمي، خاصة في المجالات و الآمنة، مثل البحث الأساسي أو النظري، ووفرا الحوافز المادية لتشجيع الابتكار في قطاعات معينة مثل الفضاء والسلاح. غير أن الاقتصادات الحديثة ينبغي أن تأخذ بالابتكار في مجالات أوسع من مجال التكنولوجيا المتقدمة 4 مجالات عادية مثل تسويق الهمبورجر وخلق أنماط جديدة من التأمين. لقد كان بوسع الاتحاد السوفييتي أن يدلل علماء الطبيعة النووية، غير أنه لم يلق بالا إلى مصممى الأجهزة التليفزيونية التي كانت تنفجر بعد فترة معينة، ولا إلى الطامحين إلى تسويق سلع جديدة إلى مستهلكين جدد، وهو مجال غير معروف البتة في الاتحاد السوفييتي والصين.

لقد فشلت الاقتصادات المركزية في اتخاذ قرارات منطقية في مجال الاستثمار، وفي الاستخدام الفعال للتكنولوجيات الجديدة في عمليات الانتاج. وإنما يحدث هذا فقط حين يتلقى المديرون معلومات كافية عن آثار قراراتهم في صورة الأسعار التي تحددها مقتضيات السوق. والواقع أن المنافسة هي التي تضمن دقة المعلومات الناجمة عن نظام الأسعار. وقد سعت الإصلاحات الأولى في المجر ويوغوسلافيا وإلى حد أقل في الاتحاد السوفييتي، إلى توفير قدر أكبر من الاستقلال الذاتي للمديرين، غير أن هذا الاستقلال الذاتي للمديرين لم يكن له أثر كبير بسبب الافتقار إلى نظام منطقى للأسعار.

لقد ثبت أن تعقد الاقتصادات الحديثة هو تعقد فوق قدرات البيروقراطيات المركزية مهما ارتقت قدراتها التكنولوجية، وقد شاء المخططون السوفييت أن يحلوا محل نظام للأسعار يحدده الطلب، نظام و عادلا اجتماعيا، يفرض فيه من أعلى تخصيص الموارد .. وقد ظلوا لسنوات عديدة يعتقدون أن أجهزة الكومبيوتر الأكبر والبرمجة الدقيقة الأفضل ستمكنان من تخصيص مركزي للموارد هو أكثر فعالية، وقد ثبت أن هذا وهم من الأوهام. لقد كان على اللجنة السوفييتية المسئولة عن الأسعار (جوسكو مستين) أن تعيد النظر كل عام في أسعار نحو 200000 سلعة (أي أنه كان على كل موظف في تلك اللجنة البيروقراطية أن يعيد النظر في أسعار ثلاث سلع أو أربع كل يوم) . وكان هذا يمثل 4% فقط من مجموع القرارات الخاصة بالأسعار التي يصدرها موظفون سوفييت كل عام، وهو بدوره مجرد جزء بسيط جا من عدد نوع القرارات الخاصة بالأسعار التي كان

على الاقتصاد السوفييتي أن يدخنها لو أنه كان أثرا علي در اين مثل ما يوفره الاقتصاد الرأسمالي الغربي من السلع والخدمات المتنوعة، وقد كان يمكن أن توافر الفرصة البيروقراطيين في موسكو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت