أو بكين لتحديد الأسعار على نحو يبدو فعالا، لو أنهم كانوا يشرفون على اقتصادات تنتج مئات السلع أو بضع آلاف قليلة منها، غير أن المهمة تغدو مستحيلة في عصر تتكون فيه الطائرة الواحدة من مئات الآلاف من الأجزاء المستقلة. كذلك فإنه في الاقتصادات الحديثة تعكس الأسعار على نحو متزايد الاختلافات في النوعية: فسيارة من طراز كرايزلر لوبارون وأخرى من طراز بي أم دبليو هما سيارتان متشابهتان من ناحية المواصفات الفنية العامة. ومع ذلك فإن المستهلكين يفضلون اقتناء الثانية لمجرد إحساس، لديهم بتفوقها. وبالتالي تثور هنا مشكلة لدى البيروقراطيين تتعلق بمدى قدرتهم على التمييز الموثوق فيه؛ وهذا قليل من كثير.
إن حاجة المخططين المركزيين إلى التحكم في الأسعار والمخصصات السلعية، تحول بينهم وبين الاشتراك في التقسيم الدولى للعمل، وتحول بالتالي بينهم وبين إقامة الاقتصاد واسع النطاق الذي يتيحه هذا التقسيم، وقد حاولت ألمانيا الشرقية الشيوعية التي بلغ تعداد سكانها 17 مليون نسمة، أن تضع أسسة مشابهة لأسس الاقتصاد العالمي داخل حدودها، ونجحت في أن تنتج صورة رديئة من العديد من المنتجات التي كان بوسعها أن تشتريها من الخارج بأسعار أرخص بكثير، ابتداء من السيارة ترابانت المسببة للتلوث، إلى رقاقات الذاكرة التي كان إريك هونيكر دائم الفخر
وأخيرا فإن التخطيط المركزي يقوض دعائم مظهر بالغ الأهمية من مظاهر رأس المال البشري، ألا وهو أخلاقيات العمل. ذلك أنه بالإمكان هدم حتى أخلاقيات العمل القوية بانتهاج سياسات اجتماعية واقتصادية تحرم الناس من الحوافز الشخصية على العمل، ويضحى من الصعب للغاية أن نعيد بعد ذلك خلقها من جديد، وسنرى في الجزء الرابع من الكتاب أن ثمة سببا قويا يدفع إلى الاعتقاد بأن أخلاقيات العمل القوية في الكثير من المجتمعات ليست نتيجة عملية التحديث وإنما هي امتداد للثقافة تلك المجتمعات وتقاليدها السائدة قبل دخولها في عصر الحداثة. وقد لا يكون التمتع بأخلاقيات عمل قوية شرطا أساسيا لنجاح اقتصاد ما بعد الصناعة، غير أنه بالتأكيد يساعد على هذا النجاح، وقد يثبت أنه العلاج الحاسم لميل مثل تلك الاقتصادات إلى تأكيد الاستهلاك على حساب الإنتاج.
لقد كان ثمة توقع ساند أن تؤدي المقتضيات التكنولوجية للنضج الصناعي في نهاية الأمر إلى التخفيف من قبضة التحكم المركزي في الأقطار الشيوعية، فتحل محله ممارسات أكثر ليبرالية وأكثر مراعاة لدواعي السوق، وقد قال ريمون آرون إن. التعقيد التكنولوجي سيقوي من طبقة المديرين على حساب الأيديولوجيين والمتشددين في العقيدة، وهو قول يرتد ما نكره في الماضي من أن التكنوقراطيين و سيحفرون قبر الشيوعية (7) . وقد ثبت في النهاية صحة هذه النبوءات. ولكن ما لم يكن بوسع الناس في الغرب أن يتنبأوا به هو المدة التي سيستغرقها تحقق هذه النتيجة. لقد كانت دولنا الاتحاد السوفييتي والصين قادرتين تماما على إدخال مجتمعيهما في عصر الفحم و الصلب. فالتكنولوجيا المطلوبة هنا ليست معقدة جدا، ويمكن أن يلم بها فلاحون معظمهم أميون مني أخذوا قسرا من الريف ووضعوا أمام خط تجميع مبسط. أما المتخصصون ذوو الخبرة