الصفحة 188 من 376

التكنولوجية اللازمة لإدارة مثل هذا الاقتصاد، فقد ثبت أنه بالوسع السيطرة عليهم سياسيا بسهولة (8) . وقد حدث أن أمر ستالين بنفي مصمم الطائرات الشهير توبوليف إلى أرخبيل الجولاج حيث صمم طائرة من أفضل الطائرات التي صممها. كذلك عمد خلفاء ستالين إلى أن يتحكموا في المديرين و التكنوقراطيين بتوفير المكانة الاجتماعية والمكافات لهم مقابل الولاء للنظام (9) . أما ماوتسي تونج فقد انتهج في الصين نهجا آخر خشية أن تظهر طبقة من المثقفين التقنيين ذات الامتيازات الواسعة (وهو ما حدث في الاتحاد السوفييتي) ، فأعلن عليهم حرية شعواء، سواء خلال فترة القفزة الكبرى إلى الأمام في أواخر الخمسينيات، أو أثناء سني الثورة الثقافية في أواخر الستينيات , فقد أجبر المهندسون والعلماء على جمع المحاصيل الزراعية وغير ذلك من أشكال العمل الشاق، في حين تولى أصحاب الأيديولوجيا السياسية السليمة، المراكز التي تتطلب كفاءات

تقنية.

وتعلمنا هذه التجربة ألا نستهين بقدرة الأنظمة الشمولية أو الاستبدادية على مقاومة مقتضيات الاقتصاد الرشيد لمدة طويلة من الزمن، هي جيل أو أكثر في حالتي الاتحاد السوفييتي والصين. غير أن هذه المقاومة أسفرت في النهاية عن رکود اقتصادي، وقد كان للفشل الذريع الذي منيت به اقتصادات التخطيط المركزي في بلاد كالاتحاد السوفييتي والصين ترغب في تجاوز مستوى التصنيع في الخمسينيات، أثره في شل قدرتها على أن تلعب دورا مهما على المسرح الدولي أو

حتى أن تؤمن سلامتها القومية. وقد ثبت أن اضطهاد ماو للتكنوقراطيين الأكفاء خلال الثورة الثقافية كان نكية اقتصادية كبرى رجعت بالصين جيلا كاملا إلى الوراء، ولذا فقد كان من أولى قرارات بينج هسياو بنج حين تولى السلطة في منتصف السبعينيات هو أن يعيد إلى طبقة المثقفين التقنيين اعتبارها وكرامتها وأن يحميها من شرور وتقلبات السياسة الأيديولوجية، فاتبع طريق التعيين الاختياري الذي سلكه السوفييت قبل ذلك بجيل. غير أن محاولات أجتذاب الصفوة التكنولوجية لخدمة الأيديولوجيا أثمرت في النهاية عن أمر آخر. فهم إذ تمتعوا بقدر أكبر نسبيا من الحرية في التفكير وفي دراسة العالم الخارجي، اطلعوا على الكثير من الأراء السائدة في ذلك العالم وشرعوا في تبنيها. وهكذا تحققت مخاوف ماوتسي تونج إذ أضحت طبقة المثقفين التقنيين أهم حملة مباديء , الليبرالية البورجوازية و ولعبت دورا رئيسيا في عملية الإصلاح الاقتصادي فيما بعد.

وبحلول نهاية الثمانينيات، رضخ الاتحاد السوفييتي والصين ودول أوروبا الشرقية للمنطق الاقتصادي للتصنيع المتقدم (10) . وبالرغم من الأوامر السياسية بقمع احتجاجات ميدان تيانانمن في بكين، سلمت الزعامة الصينية بالحاجة إلى أسواق و إلى اللامركزية في اتخاذ القرارات الاقتصادية والمشاركة الوثيقة في تقسيم العمل الرأسمالي العالمي، وأبدت استعدادها لقبول تراتب اجتماعي أوسع مدى يصحب ازدهار الصفوة التكنوقراطية. كذلك اختارت دول أوروبا الشرقية بأسرها العودة إلى أنظمة السوق الاقتصادية عقب ثوراتها الديموقراطية عام 1989، رغم أنها اختلفت فيما بينها حول توقيت ومعدل سرعة الأخذ بتلك الأنظمة. أما الزعامة السوفييتية، فكانت أكثر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت