الصفحة 146 من 376

غير أن نظرية التحديث سقطت فيما بعد ضحية لاتهامها بأنها عنصرية الطابع، أي أنها ترفع من قدر تجارب أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية في التنمية إلى مصاف الحقيقة العالمية، دون إدراك منها بأنها هي نفسها، رهن حضارة معينة و (38) . وقد ذكر أحد منتقديها أن «الهيمنة السياسية والحضارية الغربية تمخضت عن الإعلاء من شأن فكرة عنصرية مؤداها أن التطور السياسي الغربي وحده هو المثال السليم، (39) . وقد كان هذا الانتقاد أعمق من مجرد القول بوجود سبل أخرى إلى الحداثة غير تلك التي تنتهجها دول مثل بريطانيا وأمريكا. فالانتقاد الأول يثير الشك في مفهوم الحداثة نفسها، وفيما إذا كانت كل الدول تريد حقا أن تتبنى مبادئ الغرب الديموقراطية الليبرالية، وفيما إذا لم يكن ثمة نقطتا بداية ونهاية حضاريتان في مثل صحة وسلامة المنطلق الغربي (40) .

وقد قضت تهمة العنصرية أو الدوران حول الذات الإثنية بالموت على نظرية التحديث. ذلك أن علماء الاجتماع الذين صاغوا هذه النظرية كانوا يشاركون نقادهم إيمانهم بنسبية القيم، وبرون أنه ليس هناك من أساس علمي أو تجريبي يمكنهم أن يبنوا عليه دفاعهم عن قيم الديموقراطية الليبرالية، مؤكدين أنه ليس في نيتهم هم أنفسهم أن يكونوا عنصريين (41) .

ويمكن القول في ثقة أن التشاؤم التاريخي الهائل الذي ولده القرن العشرون في النفوس قد أسقط من هيبة معظم التواريخ العالمية، وقد صبغ استخدام مفهوم ماركس عن التاريخ من أجل تبرير الإرهاب في الاتحاد السوفييتي والصين وغيرهما من الدول الشيوعية كلمة و التاريخ، بصبغة مشؤومة في أعين الكثيرين. ففكرة أن التاريخ غائي، نو مغزي، وتقدمي، بل ويمكن فهمه، فكرة غريبة جدا على التيارات الفكرية الرئيسية في عصرنا هذا. والحديث بلغة هيجل عن تاريخ العالم كفيل بإثارة السخرية ومواقف التعالي والحيرة لدى المثقفين الذين يعتقدون أنهم يفهمون العالم بكل تعقيداته ومآسيه، وليس من قبيل المصادفة أن نرى الكتاب الوحيدين للتواريخ العالمية ممن صادفوا قدرا من النجاح الشعبي في قرننا هذا، هم من أمثال شبنجلر وتوينبي، الذين وصفوا تدهور وتحلل القيم والمؤسسات الغربية.

غير أنه وإن كان بالوسع فهم تشاؤمنا، إلا أنه لا يتفق مع السير الواقعي للأحداث في النصف الثاني من هذا القرن، ونحن في حاجة إلى التساؤل عما إذا كان تشاؤمنا موقفا عقليا مصطنعا، نتخذه في خفة شأن أهل القرن التاسع عشر في اتخاذهم لموقف التفاؤل. فالمتفائل الساذج يبدو أحمق حين تخيب توقعاته. أما المتشائم الذي يثبت خطؤه فيحتفظ بهالة من العمق والجدية. ولذا فإنه من الأسلم انتهاج الطريق الثاني. غير أن بزوغ القوى الديموقراطية في أنحاء من العالم لم يكن وجودها فيها متوقعا في أي وقت من الأوقات، وزعزعة استقرار الأشكال الاستبدادية من الحكومات، والافتقار التام إلى أية بدائل د نظرية، منسقة منطقيا للديموقراطية الليبرالية، كل هذا يضطرنا إلى إعادة طرح السؤال القديم لكانط: هل ثمة تاريخ عالمى للبشرية يمكن كتابته من منطلق أكثر عالمية مما كانت تسمح الأوضاع به في زمن كانط؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت