التطور الإنسان الأيديولوجي، وهي نقطة لا يمكن للتقدم أن يتجاوزها. وقد كان كوجيف. بطبيعة الحال - يعلم بوقوع حروب وثورات دامية في السنوات التالية لعام 1806, غير أنه كان يعتبرها في جوهرها مجرد و اصطفاف للأقاليم (30) . وبعبارة أخرى فإن الشيوعية لا تمثل مرحلة أرفي من الديموقراطية الليبرالية، وإنما هي جزء من نفس المرحلة التاريخية التي ستعمم في النهاية انتشار الحرية والمساواة في جميع أنحاء العالم. ورغم أن الثورتين البلشفية والصينية كانت تبدوان وكأنهما حدثان خطيران في زمنهما، فإن تأثيرهما الوحيد الباقي هو نشر مباديء الحرية والمساواة الثابتة قبلهما بين الشعوب المتخلفة والمقهورة، وإجبار دول العالم المتقدم التي تعيش بالفعل وفق تلك المبادئ على تطبيقها تطبيقا أكمل. -
ويوسعنا أن نأخذ فكرة عن ألمعية كوجيف، وعن غرابة فكره في نفس الوقت، من قراءة الفقرة التالية:
، إذ أراقب ما يحدث حولى، وإذ أفكر فيما حدث في العالم منذ موقعة بيئا، أجدني وقد أدركت صواب نظرة هيجل إلى هذه الموقعة باعتبارها نهاية التاريخ بمفهومه الحقيقي. ففي هذه الموقعة، وبفضلها، بلغت طلائع البشرية حدودها وحققت هدفها، وهو نهاية التطور التاريخي للانسان. أما ما حدث منذ ذلك الحين فامتداد في المكان للقوة الثورية العالمية التي فجرها في فرنسا روبسبيير ونابليون، ومن وجهة النظر التاريخية الحقة، لم تكن الحربان العالميتان وما تبعهما من ثورات كبيرة أو صغيرة، غير أحداث اقتصر تأثيرها على جر المجتمعات المتخلفة في الأقاليم الهامشية إلى تبني المواقف التاريخية الأوروبية الأكثر تقدما، الصريح منها والضمني. فإن كان قيام النظام السوفييتي في روسيا، أو قيام النظام الشيوعي في الصين، مختلفين عن، أو أهم من، بناء الديموقراطية في المانيا بعد سقوط النظام الامبراطوري فيها (والهتلري) ، أو نيل توجو الاستقلالها، أو منح حق تقرير المصير لشعب بابوا، فإن مجرد تحقيق الروس والصينيين لمباديء روبسبيير وبونابرت فرض على أوروبا في عصر ما بعد نابليون مهمة الإسراع باستئصال المفارقات التاريخية العديدة في رواسب ماضيها قبل عصر الثورة (31) .
وقد تحقق أكمل تجسيد لمبادئ الثورة الفرنسية في رأي كوجيف في بلدان أوروبا الغربية بعد الحرب، أي في تلك الديموقراطيات الرأسمالية التي حققت درجة عالية من الوفرة المادية والاستقرار السياسي (32) . ذلك أنها مجتمعات قد خلت من: التناقضات، الأساسية، راضية عن نفسها، قائمة بذاتها، ليس أمامها أهداف سياسية كبيرة أخرى تسعى إلى تحقيقها، وبوسعها الآن أن تشغل نفسها بالنشاط الاقتصادي وحده. وقد ترك كوجيف التدريس في الشطر الأخير من حياته ليعمل موظفا في الاتحاد الأوروبي. وكان يؤمن بأن نهاية التاريخ تعني نهاية الصراعات والصدامات السياسية الكبيرة، وكذا نهاية الفلسفة. ولذا فإن الاتحاد الأوروبي هو التجسيد التنظيمي المناسب لنهاية التاريخ.
وقد تلت التواريخ العالمية التي تمثلها المؤلفات الخطيرة لهيجل وماركس، تواريخ أخرى أقل حظا من الخطورة، فقد شهد النصف الثاني من القرن التاسع عشر عددا من النظريات المتفائلة