الصفحة 142 من 376

هي البورجوازية. ففي اعتقاد هيجل أن أغتراب أي انقسام الإنسان على نفسه وفقدانه بالتالي للتحكم في مصيره، يجد الحل المناسب له عند نهاية التاريخ من خلال الاعتراف الفلسفي بالحرية الممكنة في الدولة الليبرالية. أما ماركس فمن رأيه أن الإنسان في المجتمعات الليبرالية يظل مغتربا أي منقسما على ذاته حيث إن رأس المال (وهو من خلق الإنسان) أضحى سيد الإنسان والمتحكم فيه (29) . أما بيروقراطية الدولة الليبرالية التي أسماها هيجل بالطبقة العالمية لأنها تمثل مصالح الشعب في مجموعه، فهي عند مارکس لا تمثل غير مصالح معينة داخل المجتمع المدني، هي مصالح الرأسماليين المهيمنين عليه. ولم يصل هيجل الفيلسوف إلى، الوعي المطلق بالذات،، وإنما كان هو نفسه نتاج عصره، والمدافع عن البورجوازية. ويرى ماركس أن نهاية التاريخ لن تأتي إلا بانتصار، الطبقة العالمية و الحقيقية، وهي البروليتاريا، يعقبها تحقيق المدينة الفاضلة، الشيوعية العالمية التي ستضع حدا للصراع الطبقي بصورة نهائية (22) .

وقد ذاع صيت النقد الماركسي لهيجل والمجتمع الليبرالي لدرجة لا تحتمل إعادة بيانه. غير أن ذلك الفشل الذريع للماركسية باعتبارها أساسا لمجتمعات العالم الحقيقي، وهو الفشل الذي وضح للأعين بعد مائة وأربعين عاما من نشر البيان الشيوعي،، يثير التساؤل حول ما إذا لم يكن تاريخ هيجل العالمي في نهاية الأمر أصدق نبوءة. وقد طرح هذا الاحتمال في منتصف القرن الحالي الكسندر كوجيف، وهو الفيلسوف الفرنسي الروسي الذي ألقي في الثلاثينيات محاضرات في سلسلة من الندوات عظيمة الأثر نظمتها. المدرسة التطبيقية للدراسات العليا في باريس (28) . فإن كان ماركس هو أعظم شارحي هيجل في القرن التاسع عشر، فإن كوجيف بكل تأكيد هو أعظم شارحي هيجل في القرن العشرين. وقد حذا كوجيف حذو ماركس إذ رأى نفسه غير ملزم بالاقتصار على شرح فكر هيجل، وإنما استخدمه استخداما خلافا ليعرض مفهومه الخاص عن الحداثة. ويزودنا ريمون ارون بلمحة عن روعة فكر كوجيف وأصالته حين يقول:

ولقد سحر كوجيف ألباب جمهور من فطاحل المثقفين الميالين الى الشك والانتقاد. لماذا؟ كان الموهبته وفراسته الجدلية دخل في هذا، وكان فنه الخطابي شديد التلاحم مع شخصيئه والموضوع الذي يتحدث فيه. أما الموضوع فهو تاريخ العالم ومذهب هيجل عن الفينومينولوجيا، أو علم الظاهرات. وكان الموضوع الثاني يلقي الضوء على الموضوع الأول، فيضفي معنى على كل شيء، وحتى أولئك الذين كان يراودهم الشك في القدرية التاريخية وفي الزيف الكامن وراء الفن، لم يتمكنوا من مقاومة تأثير ذلك الساحر. ذلك أن الوضوح الذي أضفاه على طبيعة العصر ومجري الأحداث كان كافيا لإقناعهم و (29) .

وقد كان محور تعاليم كوجيف هو تأكيده المذهل لصواب مذهب هيجل في جوهره، وأن تاريخ العالم. مع كل تعرجاته وتحولاته في السنوات التالية. كان قد انتهى بالفعل عام 1809، فإن كان من الصعب النفاذ إلى حقيقة مراد كوجيف عبر السخريات الكثيفة في مؤلفاته، فإن بوسعنا أن نلمح وراء استنتاجه هذا الذي قد يبدو غريبا، فكرة أن مباديء الحرية والمساواة التي نجمت عن الثورة الفرنسية، والمجسدة فيما أسماه كوجيف بالدولة العامة و المتجانسية الحديثة، تمثل النقطة النهائية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت