وحيث أن البلاء يستعر، والنكد يتفاقم، والفرج يطول، كان لابد من تحرك للعمل، وإنقاذ للمعالجة ودعوة للإحياء، لا سيما وأن الحياة قد تغيرت والظروف قد تباينت، والأمة قد حوصرت! وحملات التشويه والتدمير والتكدير تتزايد يومًا إثر يوم، وفي خلال العقود الأخيرة بانت الهزيمة المتلونة لأمتنا في مجالات كثيرة، وكان من أسبابها جنوح علماء عن الواقع، وتخليهم عن مراكزهم لسبب وآخر ليس هذا موضع نقاشها.
لكن الأنكى والأطغى تدافع الكثيرين للسكوت، وعزوفهم على وتر الاستكانة والهدوء، حتى بلغ الحزام الطبيين، مما أدى إلى هوان شخصية العالم، واحتقاره، وتعمد إهدار مكانته، وتغييبه حتى في المجالات الشرعية والفكرية، فيسود الجاهل، ويقدم الأخرق، ويمكن المرتزقة، فمن تأكل بالشريعة واسترزاق بالسنة، إلى تزلف بالطلب والتعلم والتأليف. والله المستعان ...
فلم يعد الأسف ينجينا من غيبة أهل العلم عن دورهم الأممي، بل تجاوز ليبلغ فقدان العالم لمكانته، ومحاولة إسقاطه في ظلمات الهامشية والضبابية والتلفية.
فلم يعد له دور يُذكر، ولا مكانة يُرتجى لها! ولا ريب أن ذلك مقصد للأعداء وهدف للأذناب، يجري في مخطط التبعية للغرب الكافر، وتنفيذ لرغباتهم القائمة على حرمان العالم الأسلامي من حقوقه، وتبديد طاقاته، ووأد مواهبه وقدراته. كما قال القائل واصفًا ذلك بجلاء:
القاتلون نبوغ الشعب ترضيةً ... للمعتدين وما أجدتهم القُرَبُ
ومن القتل الشديد، والتدمير الأكيد في هذا السياق قتل أدوار العلماء، وقمع تحركات الفقهاء المؤثرين، الذين بتحركهم وجهودهم ومواعظهم، نهضة الأمة ويقظتها، وعودتها إلى دينها.
ومن المؤسف أن يُفرض لعالم دور إصلاحي وتربوي معزول عن نفع الناس وإحيائهم، بل يأتي أقل شأنًا من دور الصحافي، والأكاديمي، وعاقد الأنكحة، الذين لهم مجال معين لا يلتفتون لسواه!!