فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 65

وإنما تظهر ثمرة الخلاف في عدم تنافي إفادة (كلاّ) التي هي للردع للدلالة على معنى حقًا، في الوقوف على (كلا) والابتداء بها لأنها إن كانت بمعنى (حقا) لا يوقف عليها بل يبتدأ بها لكونها من تمام ما بعدها، والعكس من ذلك عند دلالتها على معنى الردع.

والحق أن ذلك متروك لنظم الآيات وسياقاتها وأنه قد يستساغ في الموضع الواحد جعلها للمعنيين بل هذا هو السائد عند علماء الوقوف، وعليه فهي إن استسيغ جعلها"بمعنى حقا لم يجز الوقف عليها لأنها من تمام ما بعدها ويجوز ذلك إذا كانت للردع لأنها ليست من تمام ما بعدها"على ما ذكره الرضي [1] وناقض فيه نفسه.

وفي إفادة كلا في قوله تعالى (كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وما يعلم جنود ربك إلا هو وما هي إلا ذكرى للبشر. كلا والقمر. والليل إذ أدبر. والصبح إذا أسفر. إنها لإحدى الكبر. نذيرا للبشر. لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر .. المدثر 31/ 37) للردع والنفي مع دلالته على القسم يقول ابن عاشور:" (كلا) حرف ردع وإبطال والغالب أن يقع بعد كلام من متكلم واحد أومن متكلم وسامع مثل قوله تعالى: (قال أصحاب موسى إنا لمدركون. قال كلا إن رب سيهدين .. الشعراء/61, 62) فيفيد الردع عما تضمنه الكلام المحكي قبله .. ويجوز تقديمه على الكلام إذا أريد التعجيل بالردع والتشويق إلى سماع ما بعده، وهو هنا محتمل لأن يكون إبطالًا لما قبله من قولهم: (ماذا أراد الله بهذا مثلًا .. المدثر/31) فيكون ما بينهما اعتراضًا، ويكون قوله: (والقمر) ابتداء كلام فيحسن الوقف على (كلا) ، ويحتمل أن يكون حرف إبطال مقدما على الكلام الذي بعده من قوله: (إنها لإحدى الكبر. نذيرا للبشر) تقديم اهتمام لإبطال ما يجيء بعده من مضمون قوله (نذيرًا للبشر) أي من حقهم أن ينتذروا بها، فيحسن أن توصل في القراءة بما بعدها" [2] وهذا وجه دلالة كلا في الآية على الردع.

أما وجه دلالتها على القسم فيأتي من جهة أن"الواو المفتتح بها هذه الجملة - جملة (كلا والقمر) - واو القسم، وهذا القسم يجوز أن يكون تذييلًا لما قبله مؤكدًا لما أفادته (كلا) من الإنكار والإبطال لمقالتهم في شأن عدة خزنة النار، فتكون جملة (إنها لإحدى الكبر) تعليلًا للإنكار الذي أفادته (كلا) ويكون ضمير (إنها) عائدًا إلى (سقر) أي هي جديرة بأن يتذكر بها فلذلك كان من لم يتذكر بها حقيقيًا بالإنكار عليه وردعه، وجملة القسم على هذا الوجه معترضة بين الجملة وتعليلها أو يحتمل أن يكون القسم صدرًا للكلام الذي بعده، وجملة (إنها لإحدى الكبر) جواب القسم، والضمير راجع إلى (سقر) أي إن سقر لأعظم الأهوال، فلا تجري في مُعاد ضمير (إنها) جميع الاحتمالات التي جرت في ضمير (وما هي إلا ذكرى) ، وكان الزمخشري قد أجاز ذلك فأساغ عودهما إلى سقر وإلى البلايا أو الدواهي أو الآيات، ومعنى كونها إحداهن - برأيه - أنها من بينهن واحدة"

(1) ينظر شرح الرضي 4/ 479.

(2) التحرير 29/ 321 مجلد 14.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت