الصفحة 4 من 33

أولًا: النهي عن قتل الأولاد خشية الفقر: لقد انتشرت في المجتمعات الجاهية عادات منكرة، وجرائم قاسية، تقشعر لسماعها الأبدان، ليس بين العرب في الجاهلية فحسب، بل بين الأمم التي كانت تتباهى -ولاتزال- بحضارتها وثقافتها مثل اليونان. من هذه الجرائم: قتل الأولاد خشية الفقر، ووأد البنات خشية العار.

قال سبحانه: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) [الأنعام: 151]

والشاهد في الآية قوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُم} حيث نهى المولى سبحانه عن قتل الأولاد بدافع الإملاق، أي الفقر والفاقة، والإملاق مصدر من قول القائل: أملقتُ من الزاد فأنا أملق إملاقًا، وذلك إذا فني زاده وذهب ماله وأفلس [1] . والأولاد يطلق على المذكر والمؤنث، وجاء في سورة الإسراء ما يؤكد هذا المعنى ويؤيده لكن باختلاف يسير، وهوقوله تعالى: ژچ چ چ چ ? ? ژ ?الإسراء: 31?

"ولكن ما الفرق بين قوله تعالى: (? ... ?) وقوله تعالى: (چ ?) ؟"

قال الإمام بن عاشور:"قيل في آية الإسراء (خَشْيةَ إِمْلاقٍ) وقيل في آية الأنعام (مِّنْ إمْلاَقٍ) ويقتضي ذلك أن الذين كانوا يئدون بناتهم يئدونهن لغرضين:"

3)إما لأنهم فقراء، لا يستطيعون الإنفاق على البنت ولايرجون منها إن كبرت إعانة على الكسب، فهم يئدونها لذلك، فذلك مورد قوله في سورة الأنعام: (مِّنْ إمْلاَقٍ) ، فإن (مِن) التعليلية تقتضي أن الإملاق سبب قتلهن، فيقتضي أن الإملاق موجود حين القتل.

4)وإما أن يكون الحامل على ذلك ليس فقر الأب، ولكن خشية عروض الفقر له أوعروض الفقر للبنت بموت أبيها، فذلك مورد قوله تعالى في سورة الإسراء: (خَشيةَ إمْلاَقٍ) ، إذ كانوا في جاهليتهم لا يورثون البنات، فيكون الدافع للوأد هو توقع الإملاق.""

وعندما ينظر المرء إلى الجرائم المنتشرة في المجتمع الجاهلي، قد يخيل إليه أنها كانت من ميزات ذلك العصر وخصائصه، ولكن لا يحتاج المرء إلى عناء بحث حتى يكتشف أن تلك الجرائم تمارس بحذافيرها على نطاق واسع في عصر حقوق الإنسان!! وتحت إشراف الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، ومن هذه الجرائم: جريمة قتل الأولاد خشية الفقر، وتتمثل هذه الجريمة في مشروعية إجهاض

(1) جامع البيان عن تأويل آي القرآن، الطبري، محمد بن جرير، 4/ 3396.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت