الجنين، وإلزامية منع الحمل، وقطع النسل، خاصة في العالم الثالث، خشية نفاد الموارد الطبيعية، وعدم تكافئها مع الحاجات البشرية المتعددة.
قد يقول قائل: هناك بون شاسع بين هذه وتلك، فالعرب في الجاهلية كانوا يقتلون الأولاد أحياءً بعد الولادة، بينما يتم منع الحمل بمنع اللقاح بين الحيوان المنوي والبويضة لتفادي الإنجاب، كما أن الإجهاض يتم قبل الولادة بشهور، وقبل أن يرى الجنين النور، فلا يمكن القياس بينهما؟
أقول: صحيح أن منع الحمل والإجهاض يختلفان شكليًا وظاهريًا مع قتل الأولاد أحياءً، ولكن لنا قاعدة أصولية مشهورة تنص على أن"الأمور بمقاصدها"أي أن الإسلام ينظر إلى مآلات الأشياء وغاياتها قبل أن ينظر إلى أشكالها ومظاهرها، فكما أن قتل الأولاد في الجاهلية كان يتم بدافع الفقر والعوز، كذلك يتم منع الحمل والإجهاض في العصر الحاضر بدافع الفقر، وندرة الموارد الطبيعية، صحيح أن قتل إنسان حيًا أكثر بشاعة من قتل جنين في بطن أمه، أومنع حمل، ولا يمكن اعتبارهما في مرتبة واحدة من البشاعة والإثم، ولكنهما- كما يلاحظ- يشتركان في الغاية والمقصد، إذ أن كليهما يتمّان بدافع الفقر أوالإملاق.
وجدير بالذكر أن القرآن الكريم لم يجرِّم قتل الأولاد لمجرد قتل نفس بريئة، إذ أن تحريم قتل النفس وتجريمه ورد مستقلًا في الآيات المذكورة وفي مواضع أخرى، فلماذا تكرر قتل النفس وقتل الأولاد في آية واحدة؟ أليس قتل الولد عبارة عن قتل النفس؟
المتأمل في هذه الآية وغيرها من الآيات يدرك أن قتل الولد يحمل في طياته محظورين:
الأول: المحظور العملي وهوفعل قتل النفس التى حرم الله إلا بالحق.
والثاني: المحظور الاعتقادي وهوالخوف من الفقر، وسوء الظن بالله الرزّاق الذى تكفّل بتوفير الرزق لجميع خلقه، بينما جريمة قتل النفس-أيًا كان دافعها- يترتب عليها محظور واحد، وهوفعل القتل فقط، ولهذا السبب أفرده سبحانه بالذكر في سورة الأنعام، وسورة الإسراء، فليس النهي عن قتل النفس وقتل الولد تكرارًا لتحريم واحد، بل هما تحريمان لتعدد غايتاهما.
ثانيًا: معالجة ظاهرة الخوف على الرزق: تكرر لفظ الرزق ومشتقاته 123 مرة في القرآن الكريم في مناسبات متعددة وبأساليب متنوعة و"الرزق: يقال للعطاء الجاري تارةً دنيويًا كان أم أخرويًا، وللنصيب تارةً، ولما يصل إلى الجوف ويتغذى به تارةً" [1] .
والرزق اصطلاحًا:"هو كل ما أوجده الله تعالى على الأرض من خير، وجعله حركة الحياة والوجود كله، والسبب الرئيس في بقاء الجنس البشري على الارض." [2]
(1) المفردات في غريب القرآن، الراغب الاصفهاني، 2/ 72.
(2) الرزق والمال بين القرآن والسنة، الصوفي، ماهر أحمد، (حمص: دار المعارف، ط/1، 1416 هـ = 1996 م) 1/ 15.