المطلب الأول: شرط الشيخين في كتابيهما.
قال ابن طاهر - رحمه الله:» اعلم أنَّ البخاري ومسلمًا ومن ذكرنا بعدهم، لم ينقل عن واحد منهم أنه قال: شرطت أنْ أخرج في كتابي ما يكون على الشرط الفلاني، وإنما يعرف ذلك من سبر كتبهم، فيعلم بذلك شرط كل رجل منهم [1] .
واعلم أن شرط البخاري ومسلم أنْ يخرجا الحديث المتفق على ثقة نقلته إلى الصحابي المشهور، من غير اختلاف بين الثقات الأثبات، ويكون إسناده متصلًا غير مقطوع ... ، إلا أن مسلمًا أخرج أحاديث أقوام ترك البخاري حديثهم؛ لشبهة وقعت في نفسه « [2] .
وقال أبو بكر الحازمي - رحمه الله:» ومذهب من يخرج الصحيح أنْ يعتبر حال الراوي العدل في مشايخه، وفيمن روى عنهم وهم ثقات أثبات أيضًا، وحديثه عن بعضهم صحيح ثابت يلزمه إخراجه، وعن بعضهم مدخول لا يصلح إخراجه إلا في الشواهد والمتابعات، وهذا باب فيه غموض، وطريقه معرفة طبقات الرواة عن راوي الأصل ومراتب مداركهم.
فلنوضح ذلك بمثال: وهو أنْ يُعْلم مثلًا أنَّ أصحاب الزهري على خمس طبقات، ولكل طبقة منها مزية على التي تليها وتفاوت، فمن كان في الطبقة الأولى فهو الغاية في الصحة، وهو غاية مقصد البخاري، والطبقة الثانية
(1) ينبغي التنبه إلى أنَّ ذلك من حيث الجملة، وإلا فمن المعلوم أنَّ مِنْ الأئمة مَنْ أوضح بعضَ شرطه، وشيئًا من منهجه فيما أخرج؛ كما صنع الإمام مسلم في مقدمته، والإمام أبو داود في رسالته إلى أهل مكة، ومثل هذا لا يخفى الإمام ابن طاهر - رحمه الله -، لكن لعله يريد الشروط الخاصة المقيّدة والموضحة لكامل منهج المؤلف، ولا شك أنَّ هذا لم يكن، بل ليس عليه منهج مَنْ تقدَّم - رحمة الله ورضوانه على الجميع -.
(2) شروط الأئمة الستة ص (85 - 86) ، وينظر: هدي الساري ص (9) .