الصفحة 18 من 94

المطلب الرابع: منهج الإمام مسلم في إيراد الأحاديث في الصحيح.

من أعظم ما ميَّز كتاب مسلم - رحمه الله - تلك المقدمة الفريدة التي استفتح بها كتابه، وأبان فيها عن منهجه وطريقته، ومما ذكر في منهج انتقاء الأحاديث وترتيبها، والتخريج للرواة قوله:» ثم إنَّا إنْ شاء الله مبتدئون في تخريج ما سألتَ وتأليفه على شريطة سوف أذكرها لك، وهو أنا نعمد إلى جملة ما أسند من الأخبار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنقسمها على ثلاثة أقسام، وثلاث طبقات من الناس على غير تكرار ... ، فأما القسم الأول فإنا نتوخى أنْ نقدِّم الأخبار التي هي أسلم من العيوب من غيرها وأنقى، من أن يكون ناقلوها أهل استقامة في الحديث وإتقان لما نقلوا، لم يوجد في روايتهم اختلاف شديد، ولا تخليط فاحش، كما قد عثر فيه على كثير من المحدثين، وبان ذلك في حديثهم، فإذا نحن تقصِّينا أخبار هذا الصنف من الناس أتبعناها أخبارًا يقع في أسانيدها بعض مَنْ ليس بالموصوف بالحفظ والإتقان؛ كالصنف المقدَّم قبلهم، على أنهم وإنْ كانوا فيما وصفنا دونهم فإنَّ اسم الستر والصدق وتعاطي العلم يشملهم؛ كعطاء بن السائب، ويزيد بن أبى زياد، وليث ابن أبى سليم، وأضرابهم من حُمَّال الآثار، ونُقَّال الأخبار، فهم وإنْ كانوا بما وصفنا من العلم والستر عند أهل العلم معروفين فغيرهم من أقرانهم ممن عندهم ما ذكرنا من الإتقان والاستقامة في الرواية يفضلونهم في الحال والمرتبة؛ لأنَّ هذا عند أهل العلم درجة رفيعة وخصلة سنية ... ، فأما ما كان منها عن قوم هم عند أهل الحديث متهمون، أو عند الأكثر منهم فلسنا نتشاغل بتخريج حديثهم؛ كعبد الله ابن مسور أبى جعفر المدائني، وعمرو بن خالد، وعبد القدوس الشامي، ومحمد بن سعيد المصلوب، وغياث بن إبراهيم، وسليمان بن عمرو أبى داود النخعي، وأشباههم ممن اتهم بوضع الأحاديث وتوليد الأخبار، وكذلك مَنْ الغالب على حديثه المنكر أو الغلط أمسكنا أيضا عن حديثهم ... ، قد شرحنا من مذهب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت