وتعالى في كتابه {واجعلنا للمتقين إمامًا} [1] يريد أن يقتدى به، وان معك أهل ذمة وعهد وقد أوصى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهم، وأوصى بالقبط، فقال (( استوصوا بالقبط خيرًا، فإن لهم ذمة ورحمًا، ورحمهم أن أم إسماعيل منهم، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -(من ظلم معاهدًا أو كلفه فوق طاقته فأنا خصمه يوم القيامة) [2] . أحذر يا عمرو أن يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خصمًا، فإنه مَن خاصمه خصمه، والله يا عمرو لقد ابتليت بولاية هذه الأمة، وآنست من نفسي ضعفًا، وانتشرت رعيتي، ورق عظمي، فأسأل الله أن يقبضني إليه غير مفرط، والله إني لأخشى لو مات جمل بأقصى عملك ضياعًا، أن أسأل عنه يوم القيامة [3] .
قال الدكتور يوسف القرضاوي: (إن وظيفة الدولة في الإسلام وظيفة ايجابية ضخمة وشاملة، وليست مجرد حماية حرية الأفراد، وملكياتهم الخاصة، وأن كل عملها(( إنتاج الأمن ) )أي: منع السطو والاعتداء ثم ترك الناس أحرارًا بعد ذلك لما سموه (( القوانين الطبيعية ) )وترك الضعفاء والفقراء لعقوبة هذه القوانين، حتى ينحرفوا أو يهلكوا، كما هو المعروف عن (( آدم سميث ) )وغيره من دعاة المذهب الفردي والاقتصاد الحر، فقد قالوا: إن وظيفة الدولة الأولى هي حماية الذين يملكون من الذين لا يملكون، كما أن أفراد المجتمع ليسوا مجرد عناصر اقتصادية لا تجمعهم رابطة سوى رابطة الإنتاج والمنفعة الاقتصادية- كما يقول أولئك الفرديون - كلا .. فإن المجتمع في نظر الإسلام أسرة مترابطة، بين أفرادها وفئاتها علاقة أعمق وأقوى من علاقة الإنتاج الاقتصادي، علاقة أساسها الإيمان والإسلام الذي ربط الجميع بغاية واحدة، ومنهج واحد، فالتقى الجميع بفضله على وحدة العقيدة والفكر، ووحدة الشعور والعاطفة، ووحدة النظام والشريعة، ووحدة المبدأ والمصير ولهذا صور الإسلام هذا المجتمع بالجسد الواحد، فكل جهاز أو عضو أو خلية في هذا الجسد مرتبط بالأجزاء الأخرى، يمدها ويستمد منها، ينفعها وينتفع بها، يؤثر فيها ويتأثر بها، والدولة التي يقف على قمتها في الإسلام (الإمام) هي الرأس من هذا الجسد، هي
(1) التاريخ الكبير للبخاري الإمام أبو عبدالله إسماعيل بن إبراهيم الجعفي البخاري (ت 256 هـ) - المكتبة
(2) سنن أبي داود 3/ 170 رقم الحديث 3052.
(3) كنز العمال 5/ 760، الرقم 14304.