وقوله: (إذ لزمت من شرعا) أي: شرع فيها، وهو علة المفهوم من قوله: (وبعذر أسقطا) إذ مفهومه: يجب القضاء حيث لا عذر، وتقييد الطواف بالقادم احتراز عن طواف الإفاضة الذي هو ركن من أركان الحج فيرجع إليه ناسيه من بلده ولا ينجبر بالدم، وكذا سائر الأطوفة التطوعية هي كطواف القدوم في هذا الحكم من باب الأولى [1] .
فهذه العبادات السبعة لازمة بالشروع فإن قطعت عمدًا بغير ضرورة أعيدت وإن قطعت غلبة لم تعد، وعلى ذلك فمن تلبس بشيء منها فلا يجوز قطعه لها لغير ضرورة وتلزم الإعادة إلا مع الغفلة أن النسيان أو الغلبة، والتمثيل واضح في الستة الأولى، أما السابع وهو (الائتمام) فمثاله: أي يقتدي في فرض بغيره ثم يريد الانتقال إلى الانفراد لم يصح له ولو فعل لبطلت صلاته، وأما مع الغلبة مثل أن يغلب إمامه الحدث فله أن يكمل بقية صلاته منفردًا إلا في الجمعة؛ لأن من شرطها الجماعة [2] .
وأما الشافعية: فقد سبق أن أشرنا إلى أنهم قد قرروا: أن قاعدة الفقه أن النسيان مسقط للإثم مطلقًا، وأما الحكم الدنيوي فإنه إن وقع في ترك مأمور لم يسقط بل يجب تداركه، وخرج عن ذلك صور نادرة.
ومن فروع هذا القسم عندهم: من نسي صلاةً أو صومًا أو حجًا أو زكاةً أو كفارةً أو نذرًا وجب تداركه بالقضاء بلا خلاف، وكذا لو وقف بغير عرفة يجب القضاء اتفاقًا.
ثم يذكرون صورًا هي محل خلاف ومنها: من نسي الترتيب في الوضوء، أو نسي الماء في رحله فتيمم وصلى ثم ذكره، أو صلى بنجاسة لا يعفى عنها ناسيًا، أو نسي قراءة الفاتحة في الصلاة .. إلخ.
يقول العلامة السيوطي: وفى هذه الصور كلها خلاف، والصحيح عدم الإجزاء ووجوب الإعادة، ومأخذ الخلاف في هذه الصور وغيرها: هو أن هذه الأشياء هل هي من قبيل المأمورات التي هي شروطها كالطهارة عن الحدث، فلا يكون النسيان والجهل عذرًا في تركها لفوات المصلحة منها، أو أنها من قبيل المناهي كالأكل والكلام في الصلاة والأكل في الصيام فيكون ذلك عذرًا، والأول أظهر، ولذلك تجب الإعادة بلا خلاف فيما لو نسي نية الصوم؛ لأنها من قبيل المأمورات [3] .
ويؤكد ذلك الإمام النووي بقوله: كل من ترك النية الواجبة عمدًا أو سهوًا فعليه القضاء [4] .
وأما عند الحنابلة: فيذهب بعض علمائهم إلى القول: بأن الصحيح من المذهب أن الناسي غير مكلف حال نسيانه؛ لأن الإتيان بالفعل المعين على وجه الامتثال يتوقف على العلم بالفعل المأمور به؛ لأن الامتثال عبارة عن إيقاع المأمور به على وجه الطاعة، ويلزم من ذلك علم المأمور بتوجه الأمر نحوه
(1) شرح المنهج المنتخب ص 513.
(2) المرجع السابق ص 515.
(3) الأشباه والنظائر ص 207، 208.
(4) روضة الطالبين ج 1 ص 166، 349، 387، ج 2 ص 214 وص 236.