فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 65

وعلمه بالفعل، وهذا مستحيل عقلًا في الناسي لعدم الفهم لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان» [1] .

وقد صاغ العلامة ابن اللحام هذا المعنى في صورة قاعدة فقال: (لا تكليف على الناسي حال نسيانه .. ومن الناس من قال هو مكلف) ثم يقول: يحمل قول من قال: (ليس بمكلف حال نسيانه) على أنه لا إثم عليه في تلك الحال في فعل أو ترك، وأن الخطاب لم يتوجه إليه، وما ثبت له من الأحكام المعلقة به فبدليل خارج ويحتمل قول من قال: (هو مكلف) على أن الخطاب توجه إليه وتناوله وتأخر الفعل إلى حال ذكره وامتنع تأثيمه لعدم ترك قصده لهذا [2] .

تحليل مذهب الحنابلة:

إن مؤدى هذا القول لابن اللحام وبيانه محمل القولين في الناسي على هذا النحو يرفع ما يبدو من خلاف بين الحنابلة والجمهور، حيث إن الجمهور يذهبون إلى عدم سقوط الوجوب أو المأمور به بالنسيان، وهو معنى قول ابن اللحام في توجيه قول من قال: (إن الناس ليس بمكلف حال نسيانه) إن ما ثبت من الأحكام للناسي أي الأحكام الدنيوية فبدليل خارج، وأن الساقط عنه حال النسيان هو الإثم لعدم توجه الخطاب إليه حينئذ، وهو معنى قوله أيضًا في توجيه قول من قال: (إنه مكلف حال نسيانه) ، فإنه وإن كان الخطاب متوجه إليه إلا أنه غير مطالب بأداء الفعل المخاطب به إلا حين تذكره ويرتفع عنه الإثم؛ لأنه لم يترك أداء الفعل المخاطب به حال نسيانه قصدًا، فالقولان يلتقيان في أن الأصل أن الواجب لا يسقط بالنسيان ووجوبه ثابت بدليل خارج عند أصحاب أن الواجب لا يسقط بالنسيان ووجوبه ثابت بدليل خارج عند أصحاب القول الأول وأنه مطالب به بعد التذكر، أن الفعل تتأخر المطالبة به إلى حال ذكره عند أصحاب القول الثاني فهما يلتقيان في أن المطالبة تحدث بعد التذكر، وهو معنى عدم سقوط الوجوب بالنسيان، والله أعلم.

التفريع عند الحنابلة يؤكد هذا التوجيه: جاءت أحكام الفروع عند الحنابلة تؤكد هذا التوجيه، ويتفق مذهبهم مع الجمهور في هذا القسم وهو أن الواجب لا يسقط عندهم بالنسيان، ثم يختلفون في فروع كثيرة فيما وراء ذلك يتأتى فيها الروايتان والوجهان والأكثر.

ويرجع مأخذ الخلاف فيها إلى نفس المأخذ الذي ذكره العلامة السيوطي آنفًا، وهو الذي يشير إليه العلامة الزريرانى الحنبلي في فروقه حيث يقول: «إذا صلى ناسيًا لحدثه لم تصح الصلاة، ولو صلى وعليه نجاسة ناسيًا صحت والفرق: أن الطهارة شرط في صحة الصلاة بالإجماع فلم تصح بدونها كسائر شروطها بخلاف اجتناب النجاسة، فإنه واجب يسقط بالنسيان بدليل ما روى أبو سعيد الخدري -رضي

(1) انظر: شرح الكوكب المنير ج 1 ص 511، 512.

(2) القواعد والفوائد الأصولية ص 30، 31.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت