الصفحة 36 من 63

{يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي} ، فلما رجع موسى إلى قومه ورأى أنهم قد ضلُّوا عاتب أخاه: {قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} ؛ ظنًّا منه أنه لم ينكر ولم يَقُم بالحجة على الوجه المطلوب، وهكذا عندما يحاسب الإنسان على النتائج، ولكن هارون لفت موسى إلى أمر آخر هو من أمر موسى ومن دعوته: {يَا بْنؤمَّ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي} [طه: 90] .

وإنه لأمر يستوقف المؤمن كثيرًا؛ إنه بين أمر يجب عليه إبلاغه والقول به والدعوة إليه والإنكار من أجله والصبر على الأذى فيه، وبين أمر فيه مصلحة اجتماع القلوب وتوحُّد الكلمة؛ يقول ابن تيمية: «من الأمر بالمعروف: الأمر بالائتلاف والاجتماع، والنهي عن الاختلاف والفرقة» [1] . وعن جندب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «اقرؤوا القرآن ما ائتلفت قلوبكم فإذا اختلفتم فقوموا عنه» [2] ، ومما يستوجب الأمر مزيد عناية أن هاتين المصلحتين يختلف ترجحهما باختلاف الأحوال، وكثيرًا ما يرتبط ترجُّحهما بالسياسة الشرعية المرعيَّة في أحوال المسلمين عامَّةً.

(1) الفتاوى ج 3، ص 421.

(2) رواه البخاري ج 9، ص 101.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت