يمكن تعريف الحوكمة بأنها تلك الآليات التي تنظم العلاقة بين الإطراف وتعطى لكل ذي حق حقه، أنها نظام يضمن قدر الإمكان ألا يبغى طرف على طرف، أنها بيان للحقوق وإيجاد آليات لضمان هذه الحقوق، أن أبسط العلاقات تحتاج إلى قدر من الإحكام لتضمن عدم ضياع الحقوق فالذي يمشى في الشارع راجلا ويريد أن يعبر طريق يستخدمها أصحاب السيارات يحتاج إلى تنظيم العلاقة حتى يضمن حقوقه وقد يحتاجها أكثر من صاحب السيارة لأنه الطرف الضعيف في هذه الحالة وأبسط الآليات الممكنة هي خطوط مرور المشاة.
وبالرغم من أن كثيرا من المفكرين يرون بأن الإنسان وبشكل عام يتمتع في الغالب بالمثالية (الإيثار والعمل لمصلحة الغير) وهو قادرا على أن يرتفع فوق مصالحه الضيقة ليشعر بمسئوليته على رفاهية الآخرين كما يرى بذلك ... [2] Brennan (1994)
إلا أن هذا في الواقع قد لا يكون دقيقا فالإنسان كما يراه [3] Jensen (1994) يسعى لتحقيق مصلحته الخاصة وان تحققت نتيجة لذلك المصلحة العامة إذ يرى أنه حتى الأم (تيريزا) التي وهبت نفسها لمساعدة الفقراء في (( Calcuta هي أيضا تعمل لمصلحتها الخاصة عندما اختارت العمل بهذه المنطقة دون غيرها من المناطق الفقيرة وإن كانت قد حققت مصالح الآخرين.
أن الإنسان يسعى لتحقيق مصلحته الذاتية self interest ومهما كان الطرف الأخر في العلاقة فرد أو مجموعة أفراد أو مجتمع فإنه يسعى لتحقيق مصالحه على حساب الطرف الأخر ما لم يتوفر الإحكام الجيد وخصوصا عندما يكون الطرف الأخر مجموعة كبيرة من الأفراد.
ولعل القرآن الكريم قد وضح حقيقة الإنسان قبل هؤلاء المفكرين جميعا وأن الإنسان خلق هلوعا. إلا أن الله أختص بعض الناس لقضاء حوائج الناس. وعندما نخصص الحديث عن العلاقات الاقتصادية والتجارية والتي تختلط فيها أموال الناس أو رؤؤس أموالهم فإن كثيرا من الخلطاء يبغى بعضهم على بعض.
مادام الإنسان هكذا فإن الرقيّ بالإنسان هو جعله يقلل قدر الإمكان من التفكير في نفسه فقط ودفعه إلى أن يفكر في مصلحة الجماعة، وعندما تكبر هذه الجماعة لتصبح (المصلحة