إنها يده يعرف اتجاهها ولكنه لا يكاد يراها . إذن فالحق يخصص الحمد هنا لخلق السماوات والأرض لأنها ظرف كل الكائنات . وقال العلماء: لا تأخذ الظلمة على أنها الظلمة المادية التي لا ترى فيها الأشياء لا غير ، ولا تأخذ النور على أنه النور الحسي الذي ترى به الأشياء فقط ، ولكن لنأخذ الظلمات والنور على الأمر المعنوي والأمر الحسي كذلك - وسبحانه - جعل الظلمات في هذه الآية جمعا وجعل النور مفردا ، لأن الظلمات تتعدد أسبابها لكن النور ليس له إلا سبب واحد .
والحق سبحانه وتعالى يقول: {وَأَنَّ هذا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فاتبعوه وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153] .
والسبل هي جمع ، وسبيل الله مفرد لأنه واحد . كأن سبل الشيطان متعددة ، وسبل الناس كذلك متعددة حسب أهوائهم ، لكن سبيل الله واحد ؛ لذلك يجعل الهداية نوراً والضلال ظلمات .
{وَجَعَلَ الظلمات والنور ثْمَّ الذين كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} ونقول: - ولله المثل الأعلى - إنك إيها الإنسان عندما يفيض الله عليك ويجعل من بين يديك ما تعديه من جميل إلى غيرك فأنت تقول: أنا صنعت لفلان كذا وكذا ثم ينكر من بعد ذلك .
كأن"ثم"تأتي هنا للاستبعاد . إن"ثم"تأتي للعطف مثل حرف"الفاء". ولكن الفاء تكون للجمع بين شيئين ليست بينهما مسافة زمنية ، مثال ذلك قول الحق سبحانه وتعالى: {ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ} [عبس: 21] .
ومن يحب إنساناً ومات هذا الإنسان فهو يعجل بدفنه ، وذلك حتى لا يرم ويتعفن أمامه . ولذلك يقول الحق سبحانه من بعد الإقبار: {ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُ} [عبس: 22] .