واعلم أنا نقيم الدلالة أولاً على أنه لا يمكن حمل هذا الكلام على ظاهره ، وذلك من وجوه: الأول: أنه تعالى قال في هذه السورة {قُل لّمَن مَّا فِى السماوات والأرض قُل لِلَّهِ} [الأنعام: 12] فبيّن بهذه الآية أن كل ما في السماوات والأرض فهو ملك لله تعالى ومملوك له ، فلو كان الله أحد الأشياء الموجودة في السماوات لزم كونه ملكاً لنفسه ، وذلك محال ، ونظير هذه الآية قوله في سورة طه {لَّهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض وَمَا بَيْنَهُمَا} [طه: 6] فإن قالوا قوله {قُل لّمَن مَّا فِى السماوات والأرض} هذا يقتضي أن كل ما في السماوات فهو لله إلا أن كلمة ما مختصة بمن لا يعقل فلا يدخل فيها ذات الله تعالى.
قلنا: لا نسلم والدليل عليه قوله {والسماء وَمَا بناها والأرض وَمَا طحاها وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا} [الشمس: 5 7] ونظيره {وَلاَ أَنتُمْ عابدون مَا أَعْبُدُ} [الكافرون: 3] ولا شك أن المراد بكلمة ما ههنا هو الله سبحانه.
والثاني: أن قوله {وَهُوَ الله فِى السماوات} إما أن يكون المراد منه أنه موجود في جميع السماوات ، أو المراد أنه موجود في سماء واحدة.
والثاني: ترك للظاهر والأول: على قسمين لأنه إما أن يكون الحاصل منه تعالى في أحد السماوات عين ما حصل منه في سائر السماوات أو غيره ، والأول: يقتضي حصول المتحيز الواحد في مكانين وهو باطل ببديهة العقل.
والثاني: يقتضي كونه تعالى مركباً من الأجزاء والأبعاض وهو محال.
والثالث: أنه لو كان موجوداً في السماوات لكان محدوداً متنايهاً وكل ما كان كذلك كان قبوله للزيادة والنقصان ممكناً ، وكل ما كان كذلك كان اختصاصه بالمقدار المعين لتخصيص مخصص وتقدير مقدر وكل ما كان كذلك فهو محدث.