{ثُمَّ} بعد خلقكم من طين {قَضَى} ؛ أي: كتب وقدر وحدد لكم {أَجَلًا} ؛ أي: مدة معينة من وقت الولادة إلى وقت الموت لجلوسكم في الدنيا، وتسمى تلك المدة العمر؛ أي: خصص الله موت كل أحد بوقت معين، وذلك التخصيص تعلق مشيئته تعالى بإيقاع ذلك الموت في ذلك الوقت {وَأَجَلٌ مُسَمًّى} ؛ أي: حد معين ووقت معلوم من موتكم إلى بعثكم، وتسمى تلك المدة مدة البرزخ مكتوبة {عِنْدَهُ} سبحانه وتعالى. ويروى عن ابن عباس أنه قال: لكل أحد أجلان: أجل من وقت الولادة إلى وقت الموت، وأجل من الموت إلى البعث، فإن كان الإنسان تقيًّا وَصُولًا للرحم .. زيد له من أَجل البعث في أجل العمر، وإن كان فاجرًا قاطعًا للرحم .. نقص من أجل العمر، وزِيد في أجل البعث، وذلك قوله تعالى: {وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ} .
والآية ترشد إلى أنه تعالى قضى لعباده أجلين: أجلًا لحياة كل فرد منهم ينتهي بموته، وأجلًا لإعادتهم وبعثهم بعد موت الجميع وانقضاء مدة الدنيا. ومعنى كونه مسمى عنده: أنه لا يعلمه غيره؛ لأنه لم يُطلع أحدًا على يوم القيامة لا ملكًا مقربًا، ولا نبيًّا مرسلًا، والمراد بقوله: {عِنْدَهُ} : في اللوح المحفوظ الذي لا يطلع عليه غيره {ثُمَّ} بعد ظهور مثل هذه الحجة الباهرة {أَنْتُمْ} أيها المشركون {تَمْتَرُونَ} ؛ أي: تشكون في البعث، وتكذبون به بعد علمكم أنه ابتدأ خلقكم من طين، ومن قدر على الابتداء .. فهو أقدر على الإعادة، وهذا استبعاد لامترائهم بعد ما ثبت أنه خالقهم وخالق أصولهم، ومحييهم إلى آجالهم، فإن من قدر على خلق المواد وجمعها، وإيداع الحياة فيها وإبقائها ما يشاء .. كان أقدر على جمع تلك المواد وإحيائها ثانيًا، فالآية الأولى دليل التوحيد، والثانية دليل البعث، ويؤخذ منه صحة الحشر والنشر.