وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ) نَصٌّ عَلَى عُمُومِ بَعْثَةِ خَاتَمِ الرُّسُلِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ ، أَيْ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ يَا أَهْلَ مَكَّةَ أَوْ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَوِ الْعَرَبِ وَجَمِيعَ مَنْ بَلَغَهُ وَوَصَلَتْ إِلَيْهِ دَعْوَتُهُ مِنَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ فِي كُلِّ مَكَانٍ وَزَمَانٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَحْكَامَ الْقُرْآنِ تَعُمُّ الْمَوْجُودِينَ وَقْتَ نُزُولِهِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ وَأَنَّهُ لَا يُؤَاخَذُ بِهَا مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ اهـ . يَعْنِي أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي دَعْوَةِ الْإِسْلَامِ بِالْقُرْآنِ ، فَمَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ الْقُرْآنُ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ ، وَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ مُخَاطَبًا بِهَذَا الدِّينِ ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّ الْحُجَّةَ لَا تَقُومُ بِتَبْلِيغِ دَعْوَةِ الْإِسْلَامِ بِالْقَوَاعِدِ الْكَلَامِيَّةِ وَالدَّلَائِلِ النَّظَرِيَّةِ الَّتِي بُنِيَ عَلَيْهَا ذَلِكَ الْعِلْمُ ، أَيْ إِلَّا أَنْ يَنُصَّ فِيهَا عَلَى أُصُولِهِ وَأَحْكَامِهِ ، وَإِنَّنَا نَرَى الْمُسْلِمِينَ قَدْ تَرَكُوا دَعْوَةَ الْقُرْآنِ وَتَبْلِيغَهُ بَعْدَ السَّلَفِ الصَّالِحِ ، وَتَرَكُوا الْعِلْمَ بِهِ ، وَبِمَا بَيَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ إِلَى تَقْلِيدِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْفُقَهَاءِ ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ وَإِنْ جَعَلُوا أَنْفُسَهُمْ غَيْرَ أَهْلٍ لِلْحُجَّةِ .