وَقَدْ قَالَتْ الْحُكَمَاءُ: لَا تَعْرِضَنَّ لِعَدُوِّك فِي دَوْلَتِهِ فَإِذَا زَالَتْ كُفِيَتْ شَرَّهُ.
وَقَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ كَذَبَ مَنْ قَالَ إنَّ الشَّرَّ بِالشَّرِّ يُطْفَأُ، فَإِنْ كَانَ صَادِقًا فَلْيُوقِدْ نَارَيْنِ وَلْيَنْظُرْ هَلْ تُطْفِئُ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى، وَإِنَّمَا يُطْفِئُ الْخَيْرُ الشَّرَّ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ.
وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: كَفَاك مِنْ اللَّهِ نَصْرًا أَنْ تَرَى عَدُوَّك يَعْصِي اللَّهَ فِيك.
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: بِالسِّيرَةِ الْعَادِلَةِ يُقْهَرُ الْمُعَادِي.
وَقَالَ الْبُحْتُرِيُّ:
وَأُقْسِمُ لَا أَجْزِيكَ بِالشَّرِّ مِثْلَهُ ... كَفَى بِالَّذِي جَازَيْتنِي لَك جَازِيَا
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ لَئِيمَ الطَّبْعِ خَبِيثَ الْأَصْلِ قَدْ أَغْرَاهُ لُؤْمُ الطَّبْعِ عَلَى سُوءِ الِاعْتِقَادِ، وَبَعَثَهُ خُبْثُ الْأَصْلِ عَلَى إتْيَانِ الْفَسَادِ، فَهُوَ لَا يَسْتَقْبِحُ الشَّرَّ وَلَا يَكُفَّ عَنْ الْمَكْرُوهِ. فَهَذِهِ الْحَالَةُ أَطَمُّ؛ لِأَنَّ الْأَضْرَارَ بِهَا أَعَمُّ، وَلَا سَلَامَةَ مِنْ مِثْلِهِ إلَّا بِالْبُعْدِ وَالِانْقِبَاضِ، وَلَا خَلَاصَ مِنْهُ إلَّا بِالصَّفْحِ وَالْإِعْرَاضِ، فَإِنَّهُ كَالسَّبُعِ الضَّارِي فِي سَوَارِحِ الْغَنَمِ وَكَالنَّارِ الْمُتَأَجِّجَةِ فِي يَابِسِ الْحَطَبِ لَا يَقْرَبُهَا إلَّا تَالِفٌ وَلَا يَدْنُو مِنْهَا إلَّا هَالِكٌ.
رَوَى مَكْحُولٌ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «النَّاسُ كَشَجَرَةٍ ذَاتِ جَنًى وَيُوشِكُ أَنْ يَعُودُوا كَشَجَرَةٍ ذَاتِ شَوْكٍ إنْ نَاقَدْتَهُمْ نَاقَدُوكَ، وَإِنْ هَرَبْتَ مِنْهُمْ طَلَبُوكَ، وَإِنْ تَرَكْتَهُمْ لَمْ يَتْرُكُوكَ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ الْمَخْرَجُ؟ قَالَ: أَقْرِضْهُمْ مِنْ عَرْضِك لِيَوْمِ فَاقَتِك» .
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ: الْعَاقِلُ الْكَرِيمُ صَدِيقُ كُلِّ أَحَدٍ إلَّا مَنْ ضَرَّهُ، وَالْجَاهِلُ اللَّئِيمُ عَدُوُّ كُلِّ أَحَدٍ إلَّا مَنْ نَفَعَهُ.
وَقَالَ: شَرُّ مَا فِي الْكَرِيمِ أَنْ يَمْنَعَك خَيْرَهُ، وَخَيْرُ مَا فِي اللَّئِيمِ أَنْ يَكُفَّ عَنْك شَرَّهُ.