نأخذ بالأسباب ونترك مرادنا إلى مراد الله، حينما يكلفك الشرع بأمرٍ تكرهه نفسك فقل مرحباً بشريعة الله، واستجب لله وإن كرهت النفس في البداية لأنها لا ترى ما هنالك إنما ترى بين أيديها، وترى تحت قدميها، لا ترى ما هناك، إنما الله يرى كل شيء، يقول الله تعالى:"كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ"، قعد كثيرٌ من المسلمين في المدينة ولم يخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم حين انتدبهم ودعاهم إلى الخروج لأخذ قافلة قريش تعويضاً لهم عما فوَّتهم الكافرون من أموالهم وديارهم وبلدهم في مكة، فنأخذ هذا تعويضاً عن هذا، فلم يقم معه إلا ثلاثمائة رجل وهم آلاف، فكره البعض الخروج وحين أُمروا بالجهاد كرهت النفس البشرية هذا أيضاً [17] ، فالنفس البشرية وإن كانت نفس صحابي جليل إلا أنها نفسٌ حريصةٌ على الأجل، حريصة على المال، حريصة على الحياة، هذه فطرة وغريزة في كل حي"وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ"، نرى أسباب الموت ومواقع الموت فنبعد عنها، يقول الله تعالى"وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ"الطائفة الأولى قافلة قريش، الله قادرٌ على أن يسلمها للنبي صلى الله عليه وسلم، ولا يستطيع أبو سفيان التصرف فيها، الطائفة الثانية هي النفير والحرب والقتال حتى يظفروا بالنصر العظيم والسمعة الطيبة بين العباد وفي البلاد، فتكون لهم العزة، تأخذون مالاً عاجلاً أو عزة دائمة، وتودون كبشر رضي الله عنهم وأرضاهم"وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ"غير ذات الشوكة أي المكسب الذي ليس فيه حربٌ ولا سلاح ولا ضربٌ ولا مشاجرةٌ ولا شيء، مكسبٌ سهل مريح، القافلة يا رب، نفوسهم تقول هذا، علمه الله منهم، ولكن الله ينظر إلى هناك ويرى كل شيء، يرى مستقبل هذا الدين ويرى الأفضل لعباده، ويحقق لهم الأحسن والأصلح دائماً، رعايةً لهم وفضلاً منه ونعمة،"وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ"