"، فلما انتصروا وأخذوا الغنائم عظمت فرحتهم وسعدوا بالعزة والكرامة والنصر، فكان مراد الله لهم أحسن من مرادهم لأنفسهم، وهذا موضوعٌ كبيرٌ واسع لمن أراد أن يستقصيه، التسليم لله في مراده خيرٌ جدًّا، خيرٌ بكل المقاييس من أن يتمسك أحدنا بمراد نفسه، فمراد الله لي أعظم من مرادي لنفسي، والخيرة - كما يقول أهل الخير - والخيرة فيما اختاره الله، فأين المسلم الذي يسلم لله عز وجل؟ هذا موضوعٌ عظيمٌ ودرس عظيم في غزوة بدر وفي هذه السورة، ولذلك أنبه هنا إلى لفتة مهمة لفتت نظري وهي أن هذا الكلام وهذا الدرس يوجه إلى الصحابة، كم كان حبهم للنبي عليه الصلاة والسلام، وطاعتهم واتباعهم وتفانيهم في افتدائه بأنفسهم وأموالهم وأهليهم وهكذا، فما بالنا نحن؟ إذا كانوا هم قد احتاجوا هذا الدرس فنحن إليه أحوج، ونحن إليه أفقر، أن تسلم، وأسلم، أن نسلم جميعاً مرادنا إلى مراد الله، فإذا حصل مراد الله نرضى به؛ لأنه أحسن من مرادنا، في هذه السورة درسٌ من الدروس المهمة وهو أن العقيدة ليست مجرد تصوّرٍ عقلي، يعني فكرة عن الإله الحق، هذه موجودة، ركن في العقيدة، فكرة عن إرسال الرسل، فكرة عقلية، فكرة عن أن هناك يوماً آخر اسمه يوم القيامة، وفيه حساب وعقاب وثواب وما إلى ذلك وجنةً ونار، هذه كلها أفكار عقلية، أشياء معنوية في القلب، لكن أليس لها واقعٌ في الحياة؟ بلى، ينبغي أن يكون هذا التصوّر هو منطلقنا في أعمالنا، لماذا تفعل كذا؟ من إيماني بالله، لماذا تفعل كذا؟ من إيماني بالله، والنبي عليه الصلاة والسلام نبه على ذلك تنبيهاً جليلاً دقيقاً يقول:"الإيمان بضعٌ وستون أو قال بضعٌ وسبعون شعبة أعلاها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق" [18] ، فلماذا تميط الأذى عن الطريق يا مسلم؟ لأني مؤمنٌ بالله، إيماني يقتضي منه هذا، عقيدتي تدفعني إلى أن أصلح البيئة التي أعيش فيها، إلى أن أساهم في تأمين حياة البشر بغض النظر عن الدين، في أن أعيش معهم ويعيشوا معي في سلام، عقيدتي تقول لي ذلك، لا أتصور فيها كحضارة، كوجه حضاري أو تقدمي أو ما إلى ذلك كما يقال، ولكن هذا تصرف من منطلق العقيدة، لماذا تتركون حكم الغنائم لله وللرسول؟ لأن إيماننا"