فهرس الكتاب
أصلًا. والمراد بالأمس الزمن الماضي، لا خصوص اليوم الذي قبل يومك؛ أي: نزل بها في تلك الحال أمرنا المقدر لهلاكها، فجاءتها جائحة، وضرب زرعها بعاهة، كجراد أو صقيع، الذي يسقط بالليل من السماء شبيه بالثلج شديد أو ريح سموم ليلًا وهم نائمون أو نهارًا وهم غافلون، فجعلناها كالأرض المحصودة التي قطعت ثمارها، واستؤصل زرعها، ولم يبق منه شيء ، أو كأنها لم تنبت، ولم تكن زروعها نضرة بالأمس. وجاء هذا المعنى في قوله تعالى: {أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (97) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (98) } .
والمعنى: إن هذه الحياة الدنيا التي ينتفع بها المرء، مثل النبات الذي لما عظم الرَّجاء في الانتفاع به .. وقع اليأس منه بالهلاك والمتمسك بالدنيا، إذا نال منها بغيته .. أتاه الموت بغتة، فسلبه ما هو فيه من نعيم الدنيا ولذاتها. وقيل: يحتمل أن يكون ضرب هذا المثل لمن ينكر المعاد، والبعث بعد الموت، وذلك؛ لأن الزرع إذا انتهى وتكامل في الحسن إلى الغاية القصوى .. أتته آفة، فتلف بالكلية، ثم إن الله سبحانه وتعالى قادر على إعادته كما كان أول مرّةٍ فضرب الله سبحانه وتعالى هذا المثل ليدل على أن من قدر على إعادة ذلك النبات بعد التلف كان قادرًا على إعادة الأموات أحياء في الآخرة، ليجازيهم على أعمالهم، فيثيب الطائع ويعاقب العاصي {كَذَلِكَ} ؛ أي: كما فصلنا وبينا مثل الحياة الدنيا، وعرفناكم حكمها {نُفَصِّلُ الْآيَاتِ} ؛ أي: نبين حججنا ودلائل قدرتنا {لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} ويتأملون فيها، ويعتبرون بها، ليكون ذلك سببًا موجبًا لزوال الشك، والشبهة عن القلوب.