فهرس الكتاب
أي: ولولا كلمة سبقت من ربك بتأخير القضاء بين الطائعين والعاصين إلى يوم القيامة، لقضى بينهم - سبحانه - في هذه الدنيا. فيما كانوا يختلفون فيه وذلك بأن يعجل للكافرين والعصاة العقوبة في الدنيا قبل الآخرة، ولكنه - سبحانه - اقتضت حكمته عدم تعجيل العقوبة في الدنيا، وأن يجعل الدار الآخرة هي دار الجزاء والثواب والعقاب.
وقد تضمنت هذه الآية الكريمة الوعيد الشديد على الاختلاف المؤدى إلى التفرقة في الدين، وإلى الشقاق والنزاع، كما تضمنت تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه من قومه: فكأنه - سبحانه - يقول إن الاختلاف من طبيعة البشر، فلا تنتظر من الناس جميعا أن يكونوا مؤمنين. ثم حكى - سبحانه - لونا آخر من ألوان تعنت المشركين وجهالاتهم فقال - تعالى -:
[سورة يونس (10) : آية 20]
(وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ(20)
ومرادهم بالآية التي طلبوها: آية كونية سوى القرآن الكريم، بأن تكون معه صلى الله عليه وسلم ناقة كناقة صالح - عليه السلام - أو تكون معه عصا كعصا موسى - عليه السلام - وكأنهم لا يعتبرون القرآن آية كبرى، ومعجزة عظمى على صدقه صلى الله عليه وسلم.
ومرادهم بإنزالها عليه: ظهورها على يديه صلى الله عليه وسلم حتى يروا ذلك بأعينهم.
أي: ويقول هؤلاء المشركون لنبيهم صلى الله عليه وسلم هلا أنزل الله عليك آية أخرى سوى القرآن الكريم تكون شاهدة لك بالنبوة، كأن تعيد إلى الحياة آباءنا، وكأن تحول جبال مكة إلى بساتين».
ومطالبهم هذه إنما طلبوها على سبيل العناد والتعنت لا على سبيل الاسترشاد والثبت، قال - تعالى -: وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ .. .
وقوله: فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ أمر من الله - تعالى - لرسوله صلى الله عليه وسلم بأن يرد عليهم بما يفحمهم.