فهرس الكتاب
وقرأ جمهور السبعة"دأْباً"بإسكان الهمزة ، وقرأ عاصم وحده"دأَباً"بفتح الهمزة ، وأبو عمرو يسهل الهمزة عند درج القراءة ، وهما مثل: نهر ونهر. والناصب لقوله: {دأباً} {تزرعون} ، عند أبي العباس المبرد ، إذ في قوله {تزرعون} تدأبون ، وهي عنده مثل قولهم: قعد القرفصاء ، واشتمل الصماء ؛ وسيبويه يرى نصب هذا كله بفعل مضمر من لفظ المصدر يدل عليه هذا الظاهر ، كأنه قال: تزرعون تدأبون دأباً.
وقوله {فما حصدتم فذروه} هي إشارة برأي نبيل نافع بحسب طعام مصر وحنطتها التي لا تبقى عامين بوجه إلا بحيلة إبقائها في السنبل ، فإن الحبة إذا بقيت في خبائها انحفظت والمعنى: اتركوا الزرع في السنبل إلا ما لا غنى عنه للأكل ، فيجتمع الطعام هكذا ويتركب ، ويؤكل الأقدم فالأقدم ؛ فإذا جاءت السنون الجدبة تقوت الناس الأقدم فالأقدم من ذلك المدخر ، وادخروا أيضاً الشيء الذي يصاب في أعوام الجدب على قلته ، وحملت الأعوام بعضها على بعض حتى يتخلص الناس ، وإلى هذه السنين أشار النبي عليه السلام في دعائه على قريش:
"اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف"، فابتدأ ذلك بهم ونزلت سنة حصت كل شيء حتى دعا لهم النبي عليه السلام فارتفع ذلك عنهم ولم يتماد سبع سنين ، وروي أن يوسف عليه السلام لما خرج ووصف هذا الترتيب للملك وأعجبه أمره ، قال له الملك: قد أسندت إليك تولي هذا الأمر في الأطعمة هذه السنين المقبلة ، فكان هذا أول ما ولي يوسف.
وأسند الأكل في قوله: {يأكلن} إلى السنين اتساعاً من حيث يؤكل فيها كما قال تعالى: {والنهار مبصراً} [النمل: 86 ، يونس: 67 ، غافر: 61] وكما قال: نهارك بطال وليلك قائم ؛ وهذا كثير في كلام العرب. ويحتمل أن يسمى فعل الجدب وإيباس البلالات أكلاً ، وفي الحديث:"فأصابتهم سنة حصت كل شيء"؛ وقال الأعرابي في السنة جمشت النجم ، والتحبت اللحم ، وأحجنت العظم.