وَقَوْلُهُ: {وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ}
يَقُولُ: وَمَا نَحْنُ بِمَا تَئُولُ إِلَيْهِ الْأَحْلَامُ الْكَاذِبَةُ بِعَالِمِينَ.
وَالْبَاءُ الْأُولَى الَّتِي فِي التَّأْوِيلِ مِنْ صِلَةِ «الْعَالِمِينَ» ، وَالَّتِي فِي «الْعَالِمِينَ» الْبَاءُ الَّتِي تَدْخُلُ فِي الْخَبَرِ مَعَ «مَا» الَّتِي بِمَعْنَى الْجَحْدِ. وَرَفَعَ «أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ» ، لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: لَيْسَ هَذِهِ الرُّؤْيَا بِشَيْءٍ إِنَّمَا هِيَ أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (45) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (46) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنَ الْقَتْلِ مِنْ صَاحِبَيِ السِّجْنِ اللَّذَيْنِ اسْتَعْبَرَا يُوسُفَ الرُّؤْيَا {وَادَّكَرَ}
يَقُولُ: وَتَذَكَّرَ مَا كَانَ نَسِيَ مِنْ أَمْرِ يُوسُفَ، وَذَكَرَ حَاجَتَهُ لِلْمَلِكِ الَّتِي كَانَ سَأَلَهُ عِنْدَ تَعْبِيرِهِ رُؤْيَاهُ أَنْ يَذْكُرَهَا لَهُ بِقَوْلِهِ: {اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ} ، {بَعْدَ أُمَّةٍ} يَعْنِي بَعْدَ حِينٍ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:" {بَعْدَ أُمَّةٍ} قَالَ: بَعْدَ سِنِينَ"
عَنْ عِكْرِمَةَ،" {وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ} أَيْ بَعْدَ حِقْبَةٍ مِنَ الدَّهْرِ"
وَهَذَا التَّأْوِيلُ عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ: {بَعْدَ أُمَّةٍ} بِضَمِّ الْأَلِفِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ الْقُرَّاءِ فِي أَمْصَارِ الْإِسْلَامِ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ أَنَّهُمْ قَرَءُوا ذَلِكَ: «بَعْدَ أَمَهٍ» بِفَتْحِ الْأَلِفِ، وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ، وَفَتْحِهَا بِمَعْنَى بَعْدَ نِسْيَانٍ.
وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ مِنْ ذَلِكَ: أَمِهَ الرَّجُلُ يَأْمَهُ أَمَهًا: إِذَا نَسِيَ. وَكَذَلِكَ تَأَوَّلَهُ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ.
وَقَدْ ذَكَرَ فِيهَا قِرَاءَةً ثَالِثَةً: قَرَأَ مُجَاهِدٌ:"وَادَّكَرَ بَعْدَ أِمْهٍ"مَجْزُومَةَ الْمِيمِ مُخَفَّفَةً.
وَكَأَنَّ قَارِئَ ذَلِكَ كَذَلِكَ أَرَادَ بِهِ الْمَصْدَرَ مِنْ قَوْلِهِمْ: أَمِهَ يَأْمَهُ أَمْهًا، وَتَأْوِيلُ هَذِهِ الْقِرَاءَةِ، نَظِيرُ تَأْوِيلِ مَنْ فَتْحَ الْأَلِفَ وَالْمِيمَ