وقرأ مجاهد وعكرمة وشُبَيْل بن عَزْرَة:"بعد أَمْهٍ"بسكون الميم ، وقد تقدَّم أنه مصدرٌ لأَمِه على غير قياس . قال الزمخشري:"ومَنْ قرأ بسكون الميم فقد خُطِّئ". قال الشيخ:"وهذا على عادتِه في نسبته الخطأ إلى القراء"قلت: لم يَنْسِبْ هو إليهم خطأً ؛ وإنما حكى أنَّ بعضَهم خطَّأ هذا القارئ فإنه قال:"خُطِّئ"بلفظِ ما لم يُسَمَّ فاعلُه ، ولم يقل فقد أخطأ ، على أنه إذا صَحَّ أنَّ مَنْ ذكره قرأ بذلك فلا سبيلَ إلى الخطأ إليه البتةَ . و"بعد"منصوب ب"ادَّكر".
قوله: {أَنَاْ أُنَبِّئُكُمْ} هذه الجملةُ هي المحكية بالقول . وقرأ العامَّةُ من الإِنباء . والحسن"أنا آتيكم"مضارع أتى من الإِتيان ، وهو قريبٌ من معنى الأول .
{يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ}
والصِّدِّيق بناء مبالغة كالشِّرِّيب .
قوله تعالى: {تَزْرَعُونَ} : ظاهرُه أن هذا إخبارٌ من يوسف عليه السلام بذلك . وقال الزمخشري:"تَزْرعون"خبر في معنى الأمر كقوله: {تُؤْمِنُونَ بالله وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ} [الصف: 11] وإنما يخرج الأمر في صورة الخبر للمبالغة في إيجاب المأمورِ المأمورَ به ، فَيُجعل كأنه وُجِد فهو يُخْبر عنه ، والدليل على كونه في معنى الأمر قوله: {فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ} . قال الشيخ:"ولا يدلُّ الأمرُ بتَرْكِه في سنبلِه على أنَّ"تزرعون"في معنى ازرعوا ، بل تَزْرعون إخبار غيبٍ ، وأمَّا"فَذَرُوه"فهو أمرُ إشارةٍ بما ينبغي أنْ يَفْعلوه". قلت: هذا هو الظاهرُ ، ولا مَدْخَلَ لأمره لهم بالزِّراعة ؛ لأنهم يَزْرعون على عادتهم ، أَمَرَهم أو لم يأمرهم ، وإنما يحتاج إلى الأمر فيما لم يكن من عادة الإِنسان أن يفعلَه كتَرْكِه في سُنْبله .