ومعنى {حَصْحَصَ الحق} : تبين وظهر وانكشف ، فقالت: {أَنَاْ رَاوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصادقين} في قوله: {هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي} وذلك أنها اضطرت إلى أن تبلغ مراد الملك في صرف الإبهام عنه بالرؤيا التي شغلت قلبه ، فبرأت يوسف ليصح صدقه عند الملك ، ويعلم أن ما أفتى في الرؤيا حق ، فتعطفه عليه.
وحصحص مأخوذ من الحصة ، أي: بانت حصة الحق من حصة الباطل . وأصله"حصص"، ثم أبدل من الصاد الثانية حاءً ، كما قال:
{فَكُبْكِبُواْ} [الشعراء: 94] ، والأصل"كذبوا"، وقيل: كبكب ، والأصل"كبب"ورَدْرَدَ والأصل ردَّد.
وقوله: {ذلك لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بالغيب} هذا من قول يوسف عليه السلام أي: قال: فعلت ذلك من ردي الرسول إليه ، وتركي إجابته ، والخروج إليه حتى يسأل النسوة ، فيعلم الملك أني لم أذكره بسوء في الغيب.
(وقيل: المعنى: ليعلم العزيز أني لم أذكره بسوء في الغيب) .
وقيل: المعنى: ليعلم أني لم أخنه في امرأته ، وهو غائب (ويصح) ذلك عنده . وقد قيل: إنه من كرم المرأة كله لتقديم كلامها . لذلك قال ابن جريج: (هذا) متصل بما قبله ، وفي الكلام تقديم وتأخير.
والمعنى: {إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِ (هِنَّ) عَلِيمٌ} . {ذلك لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بالغيب} . فعلى هذا يكون يوسف قاله وهو في السجن .
وعلى قول ابن عباس ، وغيره إنما قاله (بعد أن خرج ، فلا تقديم في الكلام ، ولا تأخير . ولما قال يوسف ذلك قال له) جبريل ، عليه السلام: ولا حين هممت ؟ فقال يوسف: {وَمَآ أُبَرِّىءُ نفسي} [يوسف: 53] . قاله ابن عباس ، وابن جبير.
وقال السدي: امرأة العزيز هي التي قالت له: ولا حين هممت ، فحللت السراويل فقال: {وَمَآ أُبَرِّىءُ نفسي} [يوسف: 53] .
وقيل: إنه من قول يوسف ، وذلك أنه تذكر ما مضى . فقال ذلك معتذراً لمليكه.