و أما الآية التي نحن بصددها فهي من القسم المنفي فقد تجاوز التشبيه ، كما قلنا ، تشبيه العرب كل من راعهم حسنه من البشر بالجن إلى تشبيه يوسف حين كان حسنه بادي الروعة متجاوزا في ائتلاقه ووسامته المألوف المعهود من روائع الحسن وله مع روعته البادية نور ورأوة ، وطلاقة وتهلل ، وعليه مسحة من سكينة تؤمن ناظره من تلك الرعوة وتثبت قلبه بما يسري إليه من سكينة وايماءة بالخير واستهواء لما فيه راحة النفس ولذتها فكان كذلك تشبيهه بالملك الكريم.
التشبيه المصون عن الابتذال:
وما دام الكلام انجر معنا إلى هذه النواحي التي تدق فيها الصنعة وتعزب أسرارها إلا عن الملهمين الذين تذوقوا أسرار القوم فلا ندحة لنا عن الإشارة إلى أن هذا الفن انما يلجأ إليه في التشبيه بنوع خاص للخروج من التقليد والارتفاع بالتشبيه إلى أبعد الآفاق وصيانته من الابتذال فلو لم تعرض الآية تشبيه يوسف بالملك بهذا الأسلوب المسبوق بالنفي الموجب للغرابة لم يكن للتشبيه ذلك الوقع الحسن ومن ذلك قول شاعر الخلود المتنبي:
لم تلق هذا الوجه شمس نهارنا إلا بوجه ليس فيه حياء
فقد أراد تشبيه الوجه بالشمس ولكن هذا التشبيه شائع يكاد لشيوعه يسف إلى حضيض الابتذال فأراد صيانته بأن قدم له النفي متجاهلا فقال لا حاجة إلى الشمس مع ضيائك ونورك ولكنها لوقاحتها تطلع عليك.
تجاهل العارف في الشعر:
هذا ولتجاهل العارف وقع في النفوس كأخذة السحر ونشوة الخمر ولهذا قال السكاكي رحمة اللّه:"لا أحب تسميته بالتجاهل لوروده كثيرا في كلام اللّه تعالى"ثم أطلق عليه تسمية أخرى وهي"سوق المعلوم مساق غيره لنكتة"وقد طفحت أشعارنا به ولم تقتصر على المديح أو الغزل ، كما قلنا ، بل تجاوزتهما إلى أية مبالغة في أي موضوع من الموضوعات التي تعن للخواطر فاستمع إلى قول زهير ابن أبي سلمى تر العجب العجاب: قال يهجو حصن بن حذيفة الفزاري: