لتبقى أنفس أهل المملكة وما ولاها على يده ، فيجوز الأجر وجميل الذكر مع ما يزيد يه من علو الشأن وفخامة القدر ، فكأنه قيل: لم كان هذا؟ فقال: لأمرين: أحدهما أن لنا الأمر كله {نصيب} على وجه الاختصاص {برحمتنا} بما لنا من العظمة {من نشاء} من مستحق فيما ترون وغيره ، لا نسأل عما نفعل ، وقد شئنا إصابة يوسف بهذا ، والثاني أنه محسن يعبد الله فانياً عن جميع الأغيار {و} نحن {لا نضيع} بوجه {أجر المحسنين} أي العريقين في تلك الصفة وإن كان لنا أن نفعل غير ذلك ؛ روى أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الحكم في أول فتوح مصر من طريق الكلبي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: فأتاه الرسول فقال: ألق عنك ثياب السجن ، والبس ثياباً جدداً ، وهو يومئذ ابن ثلاثين سنة ، فلما أتاه رأى غلاماً حدثاً فقال: أيعلم هذا رؤياي ولا يعلمها السحرة والكهنة! وأقعده قدامه ثم قال: قال عثمان - يعني ابن صالح - وغيره في حديثهما: فلما استنطقه وسايله عظُم في عينه ، وجل أمره في قلبه ، فدفع إليه خاتمة وولاه ما خلف بابه - ورجع إلى ابن عباس قال: وضرب بالطبل بمصر أن يوسف خليفة الملك ؛ وعن عكرمة أن فرعون قال ليوسف: قد سلطتك على مصر غير أني أريد أن أجعل كرسيّ أطول من كرسيك بأربع أصابع! قال يوسف: نعم.
ولما كان هذا مما يستعظمه الناس في الدنيا ، وكان عزها لا يعد في الحقيقة إلا إن كان موصولاً بنعيم الآخرة ، نبه على ما له في الآخرة مما لا يعد هذا في جنبه شيئاً ، فقال مؤكداً لتكذيب الكفرة بذلك: {ولأجر الآخرة خير} ولما كان سياق الأحكام على وجه عام لتعليقها بأوصاف يكون السياق مرغوباً فيها أو مرهباً منها أحسن وأبلغ ، قال: {للذين آمنوا} أي أوجدوا هذا الوصف {وكانوا} أي بجبلاتهم {يتقون} أي يوجدون الخوف من الله واتخاذ الوقايات منه إيجاداً مستمراً ، وهو من أجلهم حظاً وأعلاهم كعباً - كما تقدم بيانه مما يدل على كمال إيمانه وتقواه.