فهرس الكتاب
وقديماً في بدايات العمر كنا حين ندخل إلى المنزل ، ونحن نعيش بعيداً عن بيوت الأهل في سنوات الدراسة ، ولا نجد إلا قرصاً واحداً من"الطعمية"، كنا نقسم هذا القرص ليكفي آخر لقمة في الرغيف ، أما إذا دخلنا ووجدنا خمسة أقراص من الطعمية ، فكان الواحد منا يأكل نصف قرص من الطعمية مع لقمة واحدة .
وهكذا يتحمل كل واحد على قَدْر حركته وقدرته .
والشاعر يقول:
والنفسُ راغبةٌ إذَا رغَّبتَها ... وإذَا تُرَدُّ إلى قَليلٍ تَقْنَعُ
ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وكذلك مَكَّنَّا ...} .
وهكذا كان تمكين الله ليوسف عليه السلام في الأرض ، بحيث أدار شئون مصر بصورة حازمة ؛ عادلة ؛ فلما جاء الجدب ؛ لم يَأتِهَا وحدها ؛ بل عَمَّ البلاد التي حولها .
بدليل أن هناك أُنَاساً من بلاد أخرى لجئوا يطلبون رزقهم منها ؛ والمثل: إخوة يوسف الذين جاءوا من الشام يطلبون طعاماً لهم ولمن ينتظرهم في بلادهم ، فهذا دليل على أن رُقْعة الشدة كانت شاسعة .
وقول الحق سبحانه:
{وكذلك مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأرض يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ} [يوسف: 56] .
نفهم منه أنه جعل لنفسه بيتاً في أكثر من مكان ؛ ولا يَظُنَّن ظَانٌّ أن هذا لَوْنٌ من اتساع أماكن التَّرَف .
لكن: لماذا لا ننظر إليها بعيون تكشف حقيقة رجال الإدارة في بعض البلاد ؛ فما أنْ يعلموا بوجود بيت للحاكم في منطقة ما ؛ وقد يزوره ؛ فهم يعتنون بكل المنطقة التي يقع فيها هذا البيت .
وهذا ما نراه في حياتنا المعاصرة ، فحين يزور الحاكم منطقة ما فَهُمْ يُعيدون رَصْف الشوارع ؛ ويصلحون المرافق ؛ وقد يُحضِرون أُصَص الزرع ليُجمِّلوا المكان .
فما بَالُك إنْ عَلِموا بوجود بيت للحاكم في مكان ما؟ لا بُدَّ أنهم سَيُوالون العناية بكل التفاصيل المتعلقة بالمرافق في هذا الموقع .
إذن: فقول الحق سبحانه هنا عن يوسف عليه السلام:
{يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ . .} [يوسف: 56] .