ولهذا لما جاء الرسول بالخروج من السجن قال له: {ارْجعْ إِلَى ربك فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ} [يوسف: 50] .
فإن قيل: فما كان مكر النسوة اللاتي مكرن به، وسمعت به امرأة العزيز، فإن الله سبحانه لم يقصه في كتابه؟.
قيل: بلى، قد أشار إليه بقوله: {وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي المَدينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ} [يوسف: 30] .
وهذا الكلام متضمن لوجوه من المكر:
أحدها: قولهن: {امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِد فَتَاهَا} [يوسف: 30] .
ولم يسموها باسمها، بل ذكروها بالوصف الذي ينادى عليها بقبيح فعلها، بكونها ذات بَعْل. فصدور الفاحشة منها أقبح من صدورها ممن لا زوج لها.
الثاني، أن زوجها عزيز مصر ورئيسها وكبيرها، وذلك أقبح لوقوع الفاحشة منها.
الثالث: أن الذي تراوده مملوك لا حُر، وذلك أبلغ في القبح.
الرابع: أنه فتاها الذي هو في بيتها وتحت كنفها، فحكمه حكم أهل البيت، بخلاف من طلب ذلك من الأجنبي البعيد.
الخامس: أنها هي المراودة الطالبة.
السادس: أنها قد بلغ بها عشقها له كل مبلغ، حتى وصل حبها له إلى شغاف قلبها.
السابع: أن في ضمن هذا أنه أعف منها وأبر، وأوفى، حيث كانت هي المراودة الطالبة، وهو الممتنع، عفافاً وكرماً وحياء، وهذا غاية الذم لها.
الثامن: أنهن أتين بفعل المراودة بصيغة المستقبل الدالة على الاستمرار والوقوع، حالا واستقبالا: وأن هذا شأنها، ولم يقلن: راودت فتاها. وفرق بين قولك: فلان أضاف ضيفا، وفلان يقرى الضيف، ويطعم الطعام، ويحمل الكل. فإن هذا يدل على أن هذا شأنه وعادته.
التاسع قولهن: {إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ} [يوسف: 30] .
أي إنا لنستقبح منها ذلك غاية الاستقباح فنسبن الاستقباح إليها. ومن شأنهن مساعدة بعضهن بعضا على الهوى، ولا يكدن يرين ذلك قبيحا، كما يساعد الرجال بعضهم بعضا على ذلك، فحيث استقبحن منها ذلك كان هذا دليلا على أنه من أقبح الأمور، وأنه مما لا ينبغي أن تساعد عليه، ولا يحسن معاونتها عليه.
العاشر: أنهن جمعن لها في هذا الكلام واللوم بين العشق المفرط، والطلب المفرط. فلم تقتصد في حبها، ولا في طلبها. أما العشق فقولهن: {قَدْ شَغَفَهَا حُباً} [يوسف: 30] .