فهرس الكتاب
(. . . وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) ، وقوله تعالى: (وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ) معناه أنهم لم يعرفوه، والنفي مؤكد، بكلمة (هُمْ) ، وبالوصف، فحالهم حال إنكار مؤكد وذلك لطول العهد، وتركهم له وهو غلام، وقد صار رجلا مكتملا، وليوهمهم أنه هلك، والفارقة الكبيرة بين حاله إذ رموه في غياهب الجب، وحاله وهو جالس على عرش مصر، أو قريب منه، لذا لم يعرفوه.
وقد روى الكاتبون في قصص الأنبياء أنه صار وزير الملك، وجعل على خزائن الأرض وأقام العدل، والعدل ذاته فيه نماء، واجتهد في تنمية الثروة المصرية، فأكثر من الزراعات، وضبط الثمرات والغلات وادخر ما ادخر لسنى الجدب على النحو الذي شرعه في تفسير الرؤيا، ولما جاء الجدب، وكان يعلم ذلك بتعليم من اللَّه، عم القحط مصر، وتوجه الناس إليه فباعها بالدراهم والدنانير
أولا، ثم باعوا حليهم وجواهرهم ثانيا، ثم باعوا أنفسهم ثالثا، ولكن نبي اللَّه أعتقهم بتفويض من الملك.
وقد وصل القحط حيث تقيم أسرة نبي اللَّه تعالى يعقوب فأرسل وُلْدَه يمتارون من مصر التي كانت وحدها بفضل تعليم اللَّه تعالى لابنه هي التي يمكن أن تكون فيها الميرة.
كان يوسف هو الذي يتولاها، فأعطاهم ما طلبوا، وطلب منهم طلبا وقد قال تعالى:
(وَلَمَّا جَهَّزَهم) ، أي ملأ ما معهم من جهاز، وأوفر ركائبهم بما طلبوا، طلب أن يأتوا بأخ لهم من أبيهم، وهو شقيقه وهذا قوله تعالى:
(قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ(59)
أي خير الذين يكرمون الضيوف، وينزلونهم في أحسن المنازل.
ثم هددهم بأنهم إذا لم يحضروه، وكان في شوق إليه، وفي جمع الشمل، وهذا من دوافعه
(فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ(60)
قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ (61) ، أي سنلطف بأحسن القول مع أبيه، أكدوا أنهم فاعلون ذلك وأكدوا ذلك بـ (إنَّ) ، وبالجملة الاسمية.
ولكن يوسف ما نوى أن يمنعهم من الكيل، ولكن أظهر لهم ذلك، ولذلك قال لعبيده: