فهرس الكتاب
وأوضحنا أن المُسخَّرات كان لها أنْ تختارَ من البداية ، فاختارتْ أن تُسخِّر وألاَّ تتحملَ الأمانة ، بينما أخذ الإنسان المهمةَ ، واعتمد على عقله وفِكْره ، وقَبِل أن يُرتِّب أمور حياته على ضوء ذلك .
ومع ذلك أعطاه الله بعضاً من التسخير كي يجعل الكون كله فيه بعض من التسخير وبعض من الاختيار ؛ ولذلك نجد بعضاً من الأحداث تجري على الإنسان ولا اختيارَ له فيها ؛ كان يمرضَ أو تقع له حادثة أو يُفلس .
ولذلك أقول: إن الكافر مُغفّل لاختياره ؛ لأنه ينكر وجود الله ويتمرَّد على الإيمان ، رغم أنه لا يقدر أن يصُدَّ عن نفسه المرض أو الموت .
وفي الآية التي نحن بصددها الآن يقول الحق سبحانه:
{وَهُوَ الذي سَخَّرَ البحر} [النحل: 14] .
فهذا يعني أنه هو الذي خلق البحر ، لأنه هو الذي خلق السماوات والأرض ؛ وجعل اليابسة ربع مساحة الأرض ؛ بينما البحار والمحيطات تحتل ثلاثة أرباع مساحة الأرض .
أي: أنه يُحدِّثنا هنا عن ثلاثة أرباع الأرض ، وأوجد البحار والمحيطات على هيئة نستطيع أن نأخذَ منها بعضاً من الطعام فيقول:
{لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا .. .} [النحل: 14] .
ومن بعض عطاءات الحق سبحانه أن يأتي المَدُّ أحياناً ثم يَعْقبه الجَزْر ؛ فيبقى بعض من السمك على الشاطيء ، أو قد تحمل موجة عفيّة بعضاً من السمك وتلقيه على الشاطئ .
وهكذا يكون العطاء بلا جَهْد من الإنسان ، بل إن وجودَ بعض من الأسماك على الشاطيء هو الذي نبَّه الإنسان إلى أهمية أنْ يحتالَ ويصنع السِّنارة ؛ ويغزل الشبكة ؛ ثم ينتقل من تلك الوسائل البدائية إلى التقنيّات الحديثة في صيد الأسماك .