فهرس الكتاب
أولًا: إنَّ المشركين قالوا مقالة أولئك الذين يحكمون هواهم في القرآن ، ذلك أنهم برَّروا أكلهم الربا بأن شبَّهوه بالبيع ، وقال الله فيهم: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا} ، ومؤدَّى كلامهم أنهم يعتقدون مشابهة بين ما يكسبه المقترض بالبيع والشراء ،
والإتجار في الشام وفارس ، بما يأخذه المرابي من ربا ، أي: إنَّهم يقولون: أنه بعض مما يكسبه المقترض بالبيع والشراء ، وهو جزء منه ، فردَّ عليهم بأنَّ البيع حلال ، لأنَّ الكاسب بالبيع يتحمَّل كسبًا وخسارة ، وحرَّم الربا لأنه الكسب من غير تعرض للخسارة ، وبذلك يكون الكسب من البيع طبيعيًّا ، والكسب بالربا غير طبيعي ؛ لأن النقد لا يلد النقد.
وثانيًا: قوله تعالى: {وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ} ، فإنَّ التعبير عن الدَّيْن برأس المال إنما يكون في المال المتخذ للاستغلال ، ولا يقال رأس المال للمال المتخذ لاستخدامه في الضرورة ، فكان هذا دليلًا من النص يفيد أنَّ التحريم وارد في القرض الاستغلالي ابتداءً ، والاستهلاكي تبعًا ؛ ذلك أنَّ النص بعمومه يحرم كل زيادة ، لأنَّ أيَّ زيادة تنقض التوبة وتكون ظلمًا.
وثالثًا: إنَّ أحوال أهل مكة والطائف تجعل القرض للاستغلال هو الغالب بينهم ، وأن القرض للاستهلاك لم يكن شائعًا بينهم ، فقد كان أهل مكة وما حولها تجارًا ، ينقلون بضائع الروم إلى الفرس عن طريق الشام واليمن ، وينقلون بضائع الفرس إلى الروم عن هذه الطريق أيضًا ، ولذلك كانت لهم رحلتان تجاريتان إحداهما رحلة الشتاء إلى اليمن ورحلة الصيف إلى الشام ، كما قال تعالى: {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ ، إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ ، فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ ، الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} [قريش: 1 - 4] .