[السجدة: 7 - 9] . وقوله في هذه الآية: {ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً} كقوله {خَلَقَ الإنسان مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ} [النحل: 4] ، وقوله: {أَوَلَمْ يَرَ الإنسان أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مٌّبِينٌ} [يس: 77] أي بعد أن كان نطفة سار إنساناً خصيماً شديد الخصومة في توحيد ربه. قوله {سواك} أي خلقك مستوي الأجزاء ، معتدل القامة والخلق ، صحيح الأعضاء في أكمل صورة ، وأحسن تقويم. كقوله تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: 4] ، وقوله: {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} [غافر: 64] ، وقوله: {يا أيها الإنسان مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكريم الذي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ في أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ} [الانفطار: 8] ، وقوله"رجلاً"أي ذكراً بالغالً مبلغ الرجال ، وربما قالت العرب للمرأة: رجلة ، ومنه قول الشاعر:
ككل جار مغتبطاً... جيران بني جبلة
مزقوا ثوب فتاتهم... لم يراعوا حرمة الرجلة
وانتصاب"رجلاً"على الحال. وقيل مفعول ثان لسوى على تضمينه معنى جعلك أو صيرك رجلاً. وقيل: هو تمييز. وليس بظاهر عندي ، والظاهر أن الإنكار المدلول عليه بهمزة الإنكار في قوله {أَكَفَرْتَ بالذي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ} مضمن معنى الاستبعاد ، لأنه يستبعد جداً كفر المخلوق بخالقه ، الذي أبرزه من العدم إلى الوجود ، ويستبعد إنكار البعث ممن علم الله أن الله خلقه من تراب ، ثم من نطفة ، ثم سواه رجلاً. كقوله: {يا أيها الناس إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ البعث فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ} [الحج: 5] الآية. ونظير الآية في الدلالة على الاستبعاد لوجود موجبة قول الشاعر:
ولا يكشف الغماء إلا ابن حرة... يرى غمرات الموت ثم يزورها
لأن من عاين غمرات الموت يستبعد منه اقتحامها.