قوله تعالى: {إذ نجيَّناه} {إذ} هاهنا لا يتعلق بما قبله ، لأنه لم يُرْسَل إِذ نُجِّيَ ، ولكنه يتعلق بمحذوف ، تقديره: واذكرُ يامحمد إِذ نجَّيناه ، وقد تقدم تفسير ما بعد هذا [الشعراء: 171] إِلى قوله: {وإِنكم لَتَمُرّونَ عليهم مُصْبِحِينَ} هذا خطاب لأهل مكة ، كانوا إِذا ذهبوا إِلى الشام وجاؤوا ، مَرُّوا على قرى قوم لوط صباحاً ومساءً ، {أفلا تعقلون} فتعتبرون.
قوله تعالى: {إِذ أَبَقَ} قال المبرّد: تأويل"أبَقَ"تباعد ؛ وقال أبو عبيدة: فَزِعَ ؛ وقال الزجّاج: هرب ؛ وقال بعض أهل المعاني: خرج ولم يؤذَن له ، فكان بذلك كالهارب من مولاه.
قال الزجاج: والفُلْك: السفينة ، والمشحون المملوء ، وساهم بمعنى [قارع] ، {من المُدْحَضِينَ} أي: المغلوبِين ؛ قال ابن قتيبة: يقال: أَدْحَضَ اللهُ حُجَّتَهُ ، فَدَحَضَتْ ، أي: أزالها [فزالت] ، وأصل الدَّحْض: الزَّلَق.
الإِشارة إِلى قصته:
قد شرحنا بعض قصته في آخر (يونس) وفي [الأنبياء: 86] على قدر ما تحتمله الآيات ، ونحن نذكر هاهنا ما تحتمله.
قال عبد الله بن مسعود: لمّا وعد يونس قومَه بالعذاب بعد ثلاث ، جَأرَوا إِلى الله عز وجل واستغفروا ، فكفّ عنهم العذاب ، فانطلق مغاضباً حتى انتهى إلى قوم في سفينة فعرفوه فحملوه ، فلمّا رَكِبَ السفينةَ وقَفَتْ ، فقال: ما لسفينتكم؟ قالوا: لا ندري ، قال: لكنِّي أدري ، فيها عبد آبق من ربِّه ، وإِنها والله لا تسير حتى تُلْقُوه ، فقالوا: أمّا أنت يا نبيَّ الله فوالله لا نُلْقِيك ، قال: فاقترِعوا ، فمن قرع فَلْيَقَع ، فاقترَعوا ، فقرع يونس ، فأبَوا أن يَُمكِّنوه من الوُقوع ، فعادوا إلى القُرعة حتى قرع يونس ثلاث مرات.
وقال طاووس: إن صاحب السفينة هو الذي قال: إنَّما يمنعُها أن تسير أنّ فيكم رجلاً مشؤوما ، فاقترِعوا لنَلقيَ أحدنا ، فاقترعوا ، فقرع يونس ثلاث مرات.