قال المفسرون: وكَّل اللهُ به حوتاً ، فلمّا ألقى نفسه في الماء التقمه ، وأمر أن لا يضُرَّه ولا يَكْلِمَه ، وسارت السفينة حينئذ.
ومعنى التقمه: ابتعله.
{وهو مُلِيمٌ} قال ابن قتيبة: أي: مُذْنِبٌ ، يقال: ألامَ الرجلُ: إِذا أتى ذَنْباً يُلامُ عليه ، قال الشاعر:
[تَعُدُّ مَعَاذِراً لا عُذْرَ فيها] ...
ومَنْ يَخْذُلْ أَخَاهُ فَقَدْ ألاَمَا
قوله تعالى: {فلولا أنّه كان مِنَ المُسَبِّحِينَ} فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: مِنَ المُصَليِّن ، قاله ابن عباس ، وسعيد بن جبير.
والثاني: من العابدِين ، قاله مجاهد ، ووهب بن منبه.
والثالث: قول {لا إِله إِلاّ أنتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمينَ} [الأنبياء: 87] ، قاله الحسن.
وروى عمران القطّان عن الحسن قال: والله ما كانت إلاّ صلاة أَحدثَها في بطن الحوت ؛ فعلى هذا القول ، يكون تسبيحُه في بطن الحوت.
وجمهور العلماء على أنه أراد: لولا ما تقدَّم له قبل التقام الحوت إيّاه من التسبيح ، {لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} قال قتادة: لصار بطن الحوت له قبراً إِلى يوم القيامة ، ولكنه كان كثير الصلاة في الرّخاء ، فنجاه الله تعالى بذلك.
وفي قَدْر مكثه في بطن الحوت خمسة أقوال:
أحدها: أربعون يوماً ، قاله أنس بن مالك ، وكعب ، وأبو مالك ، وابن جريج ، والسدي.
والثاني: سبعة أيام ، قاله سعيد بن جبير ، وعطاء.
والثالث: ثلاثة أيام ، قاله مجاهد ، وقتادة.
والرابع: عشرون يوماً ، قاله الضحاك.
والخامس: بعض يوم ، التقمة ضُحىً ، ونبذه قبل غروب الشمس ، قاله الشعبي.
قوله تعالى: {فَنَبَذْنَاهُ} قال ابن قتيبة: أي: ألْقَيْناه {بالعراء} وهي الأرضُ التي لا يُتَوارَى فيها بشجر ولا غيره ، وكأنَّه مِنْ عَرِيَ الشَّيءُ.
قوله تعالى: {وَهُوَ سَقيمٌ} أي: مريض ؛ قال ابن مسعود: كهيأة الفرخ الممعوط الذي ليس له ريش.