أَي لَا قلَّة وَلَا ذلة عَلَيْك وَإِنَّمَا القل وَابْن القل شانئك الأبتر والكوثر الَّذِي أعطَاهُ الله كَثْرَة من أتبعه فِي الدُّنْيَا من أمته فروى فروى غليلهم وعطشهم الْعلم وَالْحكمَة فهم أَتْبَاعه فِي الدُّنْيَا وهم أَتْبَاعه فِي الْآخِرَة حَتَّى يروي غليلهم وعطشهم كوثر الَّذِي آنيته عدد نُجُوم السَّمَاء فَذَلِك الْكَوْثَر فِي مُقَابلَة هَذَا الْكَوْثَر هُوَ كَثْرَة الأتباع لَهُ وَلذَلِك أمره الله أَن يُقَابل هَذِه النِّعْمَة الَّتِي هِيَ فِي الدُّنْيَا سَبَب من أَسبَاب الْعجب وداعية إِلَى الْفَخر وَالْكبر أمره أَن يقابلها بالتواضع لرَبه والقربان لبيته وَأَن ينْحَر أنفس أَمْوَاله وينسك لمَوْلَاهُ فَقَالَ {فصل لِرَبِّك وانحر} لِأَن الصَّلَاة قصد على الْبَيْت بِالْقَلْبِ وَالْوَجْه والنحر قرْبَان ونسك للبيت بَيت الله وَيَوْم النَّحْر يظْهر فِيهِ كَثْرَة مَا فتح الله عَلَيْهِ وَتظهر كَثْرَة الأتباع لَهُ والمقتدين بسنته فِي كل بلد فقوبل معنى الْكَوْثَر بالنحر فِي يَوْم النَّحْر بعد الصَّلَاة لله فَلَا ذبح وَلَا نحر إِلَّا بعد الصَّلَاة لله والتوجه إِلَيْهِ وَلذَلِك قيل لَهُ {إِن صَلَاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب الْعَالمين لَا شريك لَهُ}
والنسك هُوَ النَّحْر فَإِذا كَانَ بِموضع النَّحْر والنسك نحر وَقصد الْبَيْت وَحج بِالْفِعْلِ وَإِذا كَانَ فِي بَلَده ومسجده أَشَارَ إِلَى بَيت الله بالتوجه وَإِلَى النّسك بِرَفْع الْيَدَيْنِ إِلَى جِهَة النَّحْر لقَوْله تَعَالَى {إِن صَلَاتي ونسكي} فقرن بَينهمَا كَمَا قرن بَينهمَا فِي سُورَة الْكَوْثَر
وَمن امتثاله عَلَيْهِ السَّلَام لأمر ربه فِي هَذِه السُّورَة مَا فعل يَوْم الْفَتْح حِين نظر إِلَى كَثْرَة أَتْبَاعه وَهُوَ على الرَّاحِلَة فطأطأ نَفسه خاضعا لرَبه حَتَّى لصق عثنونه بِعُود الرحل ممتثلا لقَوْل الله سُبْحَانَهُ {إِنَّا أعطيناك الْكَوْثَر فصل لِرَبِّك وانحر} وَمعنى الصَّلَاة فِي اللُّغَة الانحناء والانعطاف تواضعا لِأَنَّهُمَا من الصلوين يُقَال صلى فلَان إِذا حنا صلاه أَي صلبه